عبدالرحمن حبش*
ليست الصورة التي نراها من منطقة عفرين مجرد مشهد عابر خلال موسم قطاف الزيتون، بل هي صورة تثير أسئلة مؤلمة حول مصير الأرض وحقوق أصحابها، وحجم الانتهاكات التي يتعرض لها الكورد في أرضهم، في وقت يُفترض فيه أن يكون موسم الزيتون مناسبة للخير والرزق والطمأنينة، لا موسما للخوف والاعتداء على الأشجار والممتلكات.
ظهر الصورة أشخاصا يستخدمون الفؤوس لقطع أغصان كبيرة من أشجار الزيتون، بدلا من الاكتفاء بقطف الثمار والمحافظة على الشجرة التي تمثل جزءا أصيلا من هوية عفرين وتاريخها الاقتصادي والاجتماعي. وإذا كان ما يظهر في الصورة يعكس بالفعل أسلوب التعامل مع أشجار الزيتون خلال الموسم، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية عن أسباب هذا القطع، والجهة المسؤولة عنه، ومدى الالتزام بحماية ممتلكات أصحاب الأراضي وحقوقهم.
إن شجرة الزيتون في عفرين ليست مجرد شجرة مثمرة، بل هي ذاكرة أجيال، وتعب سنوات طويلة من العمل، ومصدر رزق لآلاف العائلات الكوردية. فمن هذه الأشجار عاش الآباء والأجداد، ومنها استمدت العائلات قوتها وكرامتها، وارتبطت بها تفاصيل الحياة في القرى والبلدات. ولذلك، فإن الاعتداء عليها أو إتلاف أغصانها دون مبرر مشروع لا يعد خسارة زراعية فحسب، بل اعتداءً على مصدر رزق أصحاب الأرض وحقهم في الانتفاع بممتلكاتهم.
وتزداد خطورة هذا المشهد حين يُقرأ في سياق المعاناة المستمرة التي يشكو منها أهالي عفرين، من سرقة محصول الزيتون، وفرض الإتاوات والضرائب القسرية، والاستيلاء على الممتلكات، وحرمان بعض أصحاب الأراضي من الوصول الآمن إلى أرزاقهم. فهذه الممارسات، متى ثبتت، لا يمكن التعامل معها بوصفها حوادث فردية معزولة، بل تستوجب تحقيقا جديا ومحاسبة واضحة لكل من يثبت تورطه فيها.
ولا بد من التأكيد أن المسؤولية لا تتعلق بأصل عربي أو كردي أو بأي مكون آخر، وإنما تتعلق بالأفعال والمسؤولين عنها. فالنازحون الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثا عن الأمان والعيش الكريم يستحقون الحماية والكرامة، لكن النزوح لا يمنح أحدا حق الاعتداء على ممتلكات الآخرين أو إتلاف أشجارهم أو الاستيلاء على محاصيلهم. كما أن التعايش الحقيقي بين أبناء المنطقة لا يمكن أن يقوم على حساب حقوق أصحاب الأرض، بل على احترام الملكية الخاصة، وصون الكرامة، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
إن ما تحتاج إليه عفرين اليوم ليس مزيدا من الصمت أو الاكتفاء بالوعود، بل إجراءات عملية لحماية موسم الزيتون، وضمان وصول المزارعين إلى أراضيهم، ومنع قطع الأشجار أو إتلافها دون سند قانوني، والتحقيق في حالات السرقة والاستيلاء وفرض الإتاوات، وإعادة الحقوق إلى أصحابها. كما تقع على عاتق الجهات المسؤولة في المنطقة مسؤولية واضحة في مراقبة هذه الانتهاكات، وتوثيقها، ومحاسبة مرتكبيها، بما يضمن عدم تكرارها.
إن شجرة الزيتون التي صمدت لعقود طويلة في جبال عفرين وسهولها تستحق أن تصان، لا أن تتحول إلى ضحية للصراعات والانتهاكات. وأصحاب الأرض الذين ارتبطت حياتهم بهذه الأشجار يستحقون أن يجنوا ثمار تعبهم بأمان وكرامة، لا أن يقفوا عاجزين أمام ضياع أرزاقهم.
عفرين ليست مجرد أرض تقطف ثمارها، بل وطن وذاكرة وحقوق لا يجوز التفريط بها. وحماية أشجار الزيتون هي جزء من حماية الإنسان وكرامته وحقه في أرضه.
ومن هنا، فإن إنصاف أهالي عفرين يبدأ بوقف الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وترسيخ مبدأ لا يجوز تجاوزه لا شرعية للاستيلاء على ممتلكات الآخرين، ولا سلام حقيقيا من دون عدالة.
*سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا(البارتي)