الدبلوماسية الكوردية والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط

د. أيمن الدسوقي

تذهب الحكمة السائدة في دراسة الدبلوماسية الموازية إلى أنّ النشاط الخارجي للأقاليم أو الكيانات ما دون مستوى الدولة Subnational Entities ينصرف أساسًا إلى ما يُسمى “السياسة الدنيا”، من اقتصاد وتعليم وصحة وبيئة وثقافة…إلخ، فيما تظل مسائل الحرب والسلام والأمن القومي، أو قضايا “السياسة العليا”، من صميم اختصاص الدول. بيد أنّ هذا الفصل التحليلي لا يصف جميع الممارسات المعاصرة في الدبلوماسية الموازية. فبعض الأقاليم، ومنها كوردستان-العراق، أصبح منخرطًا في قضايا تتصل بالأمن القومي للدولة الأم، بل والأمن الإقليمي في المنطقة التي توجد فيها.
وتُظهر التطورات الأخيرة في النشاطات الخارجية الكوردية ذلك بوضوح. فمنذ إتمام انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر 2026، تنخرط رئاسة كوردستان-العراق وحكومته في تدبير ترتيبات للدفاع الجوي عن سماء الإقليم مع الحكومة العراقية والشركاء الدوليين، ولاسيما الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. وبرغم أنّ المساعي الكوردية تهدف، في المقام الأول، إلى تأمين الإقليم، فإنها تتصل، أيضًا، بالأمن القومي العراقي.
وكما ذكرتُ في مقالٍ سابق، انخرط رئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، من أجل خفض الصراع والتوصل إلى اتفاق بينهما. وعلى الرغم من أنّ جهود الوساطة الكوردية لم يُصبها التوفيق، فإنها تثبت انخراط إقليم كوردستان في الشؤون الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، وبذله دورًا في تسوية أكبر الصراعات في المنطقة وأكثرها خطورةً. وهنا تتجلى وظيفة الدبلوماسية الموازية بوصفها قناة مساعدة للتواصل بين الدول، عندما يتعذر ذلك على قنوات الدبلوماسية التقليدية.
غير أنّ القضية الأهم التي ينخرط فيها قادة إقليم كوردستان هي المشكلة الكوردية في الدول المجاورة. ففي ملتقى معهد الشرق الأوسط للبحوث (ميري 2026) بأربيل، في 12-13 أكتوبر، ذكّر نائب رئيس حكومة الإقليم، قوباد طالباني، بأنّ أربيل أعربت عن استعدادها لتسهيل المناقشات بين “الكورد والدول التي يعيشون فيها في الشرق الأوسط،” وتباهى بأنّ كوردستان أصبح “جزءًا من الحل” للمشكلة الكوردية.
وقد بذل الرئيس السابق (مسعود بارزاني) والحالي (نيجيرفان بارزاني) جهود وساطة ومساعي حميدة متكررة؛ لتقريب الفجوة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني حتى إعلان الأخير في 2025 قرار حلّ نفسه ونزع السلاح والتوجه إلى العمل السياسي؛ استجابة لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان. وشهد المسار خطوات رمزية وعملية، من بينها إخلاء مسلحي الحزب لعدة ملاجئ ومواقع عسكرية في كوردستان-العراق في أكتوبر الجاري؛ ليُعلن عن انتهاء أنشطة الحزب هناك، تمهيدًا لإتمام المصالحة الاجتماعية مع أعضائه في إطار القانون الإطاري، الذي أقره البرلمان التركي في أغسطس المنصرم.
وفي سوريا، ارتبطت “دبلوماسية القمة الكوردية” بمحاولات تقريب المواقف بين دمشق والفاعلين الكورد، وعلى رأسهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. ففي 3 أغسطس 2026، زار الرئيس بارزاني دمشق والتقى الرئيس أحمد الشرع، وكان على قمة جدول الزيارة قضية تسهيل الحوار بين حكومة دمشق وقادة كورد سوريا، وتنفيذ اتفاق مارس 2025 بشأن إدماج قسد في وزارة الدفاع السورية.
ويُعد الملف الكوردي-الإيراني أحدث الأمثلة وأكثرها حساسية، الذي تنخرط فيه قيادة إقليم كوردستان-العراق بغية تسهيل الحوار، وربما التوصل إلى تسويةٍ سياسية، بين الحكومة الإيرانية والتنظيمات الكوردية-الإيرانية المسلحة، التي تتخذ من الإقليم مقرًا لها. ويتداخل في هذا الملف أربعة قضايا: أمن إيران وحدودها، وسيادة العراق والتزاماته بموجب الترتيبات الأمنية مع طهران، ومطالب الكورد الإيرانيين السياسية والثقافية، وأمن منطقة الشرق الأوسط ككل.
ففي ميري 2026 المذكور عاليه، تحدث بافل طالباني، رئيس حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، عن بداية مسار مشابه لعملية السلام التركية، وأشار إلى مباحثات مع طهران وردّ إيجابي منها. وكان طالباني قد زار طهران في 15 سبتمبر المنصرم، حيث “عرضت إيران مساعدتنا في إطلاق عملية سلام عامة في المنطقة”. وفي المقابل، قدّم الرئيس بارزاني تقديرًا أكثر تحفظًا: فمسار مماثل للمسار التركي ربما لم يبدأ بعد، ولكنه مطروح للنقاش. وقد دعا بارزاني إلى تسوية سلمية بين إيران ومعارضيها الكورد، ولكنه انتقد في الوقت نفسه سلوك بعض التنظيمات الكوردية-الإيرانية المسلحة “غير المسؤول” تجاه إيران لما سببته من مخاطر أمنية على الإقليم.
يُذكر أنّ قيادة كوردستان كانت قد أعلنت، عقب اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، بأنها لن تسمح بفتح جبهة برية ضد إيران عبر إقليمها، بعد أن ذاعت تقارير في مارس مفادها أنّ الولايات المتحدة ربما تُمد التنظيمات الكوردية-الإيرانية بالأسلحة والمعدات لشن هجمات في الداخل الإيراني. ويُشبه موقف كوردستان، في هذا الخصوص، موقف تركيا عام 2003، عندما رفضت فتح جبهةٍ ثانية ضد العراق.
على أية حال، تمثل تصريحات قادة كوردستان في ميري 2026 إقرارًا علنيًا نادرًا بوجود جهود دبلوماسية تشمل إيران والتنظيمات الكوردية-الإيرانية المعارضة. وقد أبدى ممثلون لبعض هذه التنظيمات استعدادًا مبدئيًا للحوار مع تشكيكهم في نيات طهران وضمانات التفاوض.
والخلاصة أنّ الحالات السابقة في السياسة الخارجية لإقليم كوردستان تُوضح أنّ الدبلوماسية الموازية ليست محصورة بالضرورة في الاقتصاد والثقافة. فقد يتيح الموقع الجغرافي والعلاقات السياسية والشبكات العابرة للحدود لإقليم ما أن يُسهم في خفض التصعيد أو تيسير الحوار في قضايا تُصنف عادة ضمن “السياسة العليا”.

قد يعجبك ايضا
∧