لندن: عدنان حسين أحمد
بعثت إليّ القاصة والمخرجة والمترجمة العراقية – المصرية بثينة الناصري رسالة نصيّة على الماسنجر تقول فيها أنَّ (حظّ السلاحف)، وهو فيلم تخرّجها من المدرسة العربية للسينما والتلفزيون التابعة لأكاديمية الفنون بالقاهرة عام 2022، والمستوحي من قصة لها تحمل الاسم ذاته، والمنشورة في مجموعة (وطن آخر) التي صدرت بالقاهرة عام 1994 قد سطا عليها الفنان السوري ياسر العظمة وأخرجها كحلقة في مسلسله المعروف (مرايا) عام 1998، أي بعد أربع سنوات من نشر القصة، وكتب على الحلقة المذكورة بأنه هو المؤلف. ولم تنتبه الناصري لهذه السرقة إلا عندما وضعت اللمسات الأخيرة على فيلم التخرّج الذي عُرض في دار الأوبرا المصرية في حينه فأخبرها أحد الحاضرين بأنها فيلمها يتطابق تمامًا مع أحداث الحلقة المعنونة (رايحين سيران) للفنان السوري ياسر العظمة، فبحثت عن الحلقة وعثرت عليها على اليوتيوب وذُهلت للتطابق الكبير بين أحداث الفيلم ووقائعه وحواره مع الحلقة التلفازية بعد أن غيّر النهاية، فبدلًا من انقلاب السيارة وموت العائلة المكوّنة من أربعة أشخاص تتعطل سيارة العظْمة في الطريق ويجلس من فيها على حافة الرصيف لينتظروا وسيلة نقل توصلهم إلى المَرفق السياحي بلودان. تُرى، هل يمكن اعتبار هذا التطابق الشديد، باستثناء النهاية،مجرّد توارد خواطر؟
هناك عدة مصطلحات قانونية وفنية دقيقة تستعمل لوصف السطو على فكرة فيلم وتغيير نهايته من بينها سرقة الفكرة، والانتحال النصي، والاستحواذ الكامل غير المصرّح به وما إلى ذلك من تسميات. ولو تأملنا حلقة (رايحين سيران) للفنان ياسر العظمة لوجدناها عملية سطو واضحة المعالم لا تحتاج إلى أدلة وبراهين كثيرة، فالسرقة لا تقتصر على الفكرة الرئيسة وإنما تتجاوزها إلى حبكة الفيلم، والشخصيات، والتتابع في نمو الحدث، وتطوّر الشخصيات باستثناء التغيير الطفيف الذي أحدثه (المؤلف ياسر العظمة) بمشاركة مازن طه ودلع الرحبي اللذين ساعداه، من دون أن يعرفا ربّما، في انتحال القصة.
دعونا نبدأ بملخص فيلم (حظ السلاحف) الذي يتناول ( أسرة تؤمن بالحظ والتمائم حيث تصطحب معها سلحفاة صغيرة في رحلة تنتهي بحادث مروّع يودي بحياة أفرادها جميعًا. ولا تنجو من الحادث سوى السلحفاة، في مفارقة تختزل عبث الاعتقاد بالحظ وتقلبات المصير). وفي طريق هذه الأسرة المصرية الذاهبة إلى الفيّوم يعثرون على سلحْفاة تريد أن تعبر الشارع فيعتبرونها تميمة حظ وجالبة للرزق فيأخذونها معهم في الرحلة الترفيهية كفأل حسن لكن صراع الطفلين أدهم ويوسف على الإمساك بها يفضي إلى إرباك الوالد الذي وضعها في حضنه وسقوطها بين قدميه ومحاولة تعديلها بعد أن انقلبت على ظهرها حيث يفقد، في خاتمة المطاف، السيطرة على المقوَد وتنقلب السيارة على ظهرها ويموت جميع من فيها. أمّا في حلقة (رايحين سيران) لياسر العظمة فعدد الشخصيات أربعة (أب وأم وبنت وولد) ولا يختلفون عن الأسرة المصرية المكونة من أربعة أشخاص أيضًا يقومون برحلة إلى الفيّوم تلبية لدعوة غداء من ابن عم رب الأسرة الذي أخذ إجازة من أجل ترفيه العائلة برمتها. كلا العائلتين يعثران على السلحفاة على الطريق ويقرران الاحتفاظ بها في المنزل طالما أنها تميمة حظ وعلامة على الرزق. تموت العائلة المصرية إثر انقلاب السيارة وتنجو السلحفاة، بينما تتعرّض العائلة السورية إلى غرامة مادية، وورقة ضبط لأنهم توقفوا في منطقة مخصصة (للمعلّم) يصطاد فيها الحجل. لا تموت العائلة السورية وإنما تتجه إلى (بلودان) لتصليح العطب الذي أصاب محرّك السيارة. السؤال الذي يبرز هنا: لماذا لم يلجأ العظمة إلى (إعداد) هذه القصة بدلًا من السطو عليها وسرقتها في رابعة النهار؟ ألا يتوقع أنَّ هناك العشرات أو المئات ربما من القرّاء العراقيين والمصريين قد قرأوا هذه القصة القصيرة لكاتبة معروفة في بلدين كبيرين مثل العراق ومصر، مع احتمال وارد أنَّ هذه المجموعة القصصية الموسومة بـ (وطن آخر) قد قُرئت في بلدان عربية أخرى عن طريق معارض الكُتب التي تُقام في العديد من العواصم العربية؟ تُرى، لماذا استسهل الفنان الكبير والمحبوب ياسر العظمة الأمر إلى هذه الدرجة التي دفعتهُ لارتكاب هذه المخالفة القانونية الصريحة خاصة وأن (مراياه) تنتقد وبقوة الظواهر السلبية في المجتمع السوري على وجه التحديد؟ ألا يجب على الفنان ياسر العظمة أن يعتذر عن هذا الخطأ الكبير الذي اقترفه مع سبق الترصد والإصرار، أم أنَّ حقوق الملكية الفكرية والإبداعية مباحة في عالمنا العربي الذي يزداد تصدعًا يومًا بعد آخر ولم نعد قادرين فيه على حماية قصصنا وأفكارنا ونتاجاتنا الإبداعية من السطو والسرقة والانتحال في رابعة النهار؟
• (سيران): النزهة أو الرحلة الترفيهية
• ناقد أدبي وسينمائي مقيم بلندن