ياسين الحديدي
عندما يعيش المرء ردحًا من الزمن في مكان اختاره بإرادته، ويزدحم هذا المكان بأناس أحبّوه بكل صدق، فيبادلهم الحب بالوفاء، ويحرص على تقديم كل ما يستطيع لهم، سعيًا منه إلى ردّ ذلك الدَّين الذي طوّقوا به قلبه، تمضي الأيام والأشهر والسنون، وهو يحمل هذا الدَّين في أعماقه، على الرغم من ثقله. لكنه يختار أن يجعله تاجًا يزيّن به جبين ما تبقّى من عمره، ويحتفظ به ذكرى لحب صادق لا تشوبه الأنانية ولا حب الذات.
كانوا بسطاء جدًا، لأنهم استطاعوا التخلّص من الشوائب التي علقت بإنسانيتهم بفعل الحياة؛ من كذب وخداع وأنانية ومصالح تختبئ خلف الكلمات والابتسامات الزائفة. كانوا أبرياء إلى حدٍّ يجعلك تكاد تجزم بأنهم أطفال؛ فلا كبرياء زائف يمنعهم من البكاء، ولا خجل مصطنع يحرمهم من الضحك. تجدهم يضحكون لأتفه الأسباب، وربما لا لشيء سوى الضحك، أو رغبةً منهم في رسم ابتسامة على شفتيك حين يلمحون الحزن والقهر والألم وقد ارتسمت ملامحها على وجهك.
تتعالى ضحكاتهم، ويرتفع ضجيجهم حتى يملأ كل مساحات السكون من حولك، وكأنهم استحلّوا حياتك واستباحوا كل ما فيك، من دون استئذان؛ حتى لحظات الهدوء التي كانت الحياة تمنحك إياها بعد موجة عاصفة من الحزن والألم والفجيعة، لم تسلم من حضورهم. وربما لم يكونوا هم من استباحوا تلك اللحظات، بل كنت أنت من وهبهم إياها، من دون أن تشعر.
تحاول تفسير ما يحدث، والبحث عن إجابات مقنعة عمّا جرى، وكأنك ما زلت تتفاجأ بأنهم لم يمهلوك وقتًا للتفكير، حين تكتشف أنهم انتهوا من تشييد صروح الحب في أعماقك. عندها فقط تدرك أنهم قد استعمروا أعماقك أيضًا، وأصبحوا جزءًا من كيانك، بعدما كانوا مجرد غرباء.
مجرد أسماء وخيالات وصور رمزية باتت اليوم تبحر في مخيّلتك وتسكن أعماقك. كانوا مجرد ملامح رسمتها أنت، فاستقرّت في داخلك واستأثرت بساعات يومك كلّها. أصبحت تشتاق إلى رؤيتهم، وتأنس بوجودهم، وتحزن لفقدهم، وتتألّم لألمهم، حتى غدوا قطعة منك، وجزءًا من كيانك، وأطيافًا تسكنك.
تسمع ضحكاتهم وأنّات قلوبهم، وتستحضر صرخاتهم وصيحات غضبهم، وتكاد تسمع أنفاسهم حين تثقل أحيانًا وتتسارع في أحيان أخرى. وتخيّل إليك خفقات قلوبهم وهي ترحّب بقدومك، كما تتردّد في ذاكرتك عبارات عتابهم وصيحاتهم حين يطول غيابك.
إنه ضجيج يزاحمك حتى في أحلامك، ويختطف منك لحظات يقظتك، لا سيما حين تكشّر الأيام عن أنيابها وتلهب جانبيك بسياطها. عندها، ومن دون أن تشعر، تجد نفسك تركض إليهم، لترتمي في أحضانهم، وأنت على يقين بأنها ستتّسع لك، حتى حين تضيق بك الأرض بما رحبت.
تتأمّلهم بعين الغبطة والسرور، وتغمر قلبك مشاعر الامتنان، ثم لا تجد أصدق من دعوة خالصة في ظهر الغيب، ترفعها إلى الله من أجلهم:
اللهم وفّقهم وأسعدهم، واحفظهم من كل سوء، واجعل الفرح رفيق دروبهم، كما كانوا سببًا في زرع الفرح والطمأنينة في قلوبنا.