السهر الانتقامي: عن أزمة الإنسان المعاصر مع ليله

كمال عبيد

ينقلب الليل من مأوى طبيعي للجسد المجهد إلىساحة معركة رمزية، يمارس فيها الفرد انتقاماًمشروعاً في ظاهره ومدمراً في باطنه؛ إنه يستعيدسلطته المفصولة عبر سرقة ساعات من ليل كانينبغي أن يُمنح للنوم، ليمنحها لنفسه في حريتهاالموهومة، بينما هو في واقع الأمر يقتطع من رصيدهالصحي والنفسي…

هل يستيقظ الإنسان في منتصف الليل ليمارسحريته أم ليهرب من أسر نهاره؟ وهل التحكّم فيساعات العتمة الأخيرة خيار واعي لاستعادة الذاتأم أنه صرخة صامتة يُطلقها العقل المنهك احتجاجًاعلى عالم يلتهم وقته بلا رحمة؟ في جوهر العصرالحديث، لا يبدو السهر سلوكًا عابرًا يرتكز علىمسامرة طارئة، ولا استجابة لعمل تأخر عن موعده،إنه يتجلى كواحدة من أعقد الصور المعبرة عن أزمةالإنسان المعاصر مع زمنه ووجوده واستقلاليتهالمستلبة.

عندما تتداخل خيوط المساء، وينسحب العالم إلىسكونه، يجد الملايين أنفسهم مشدودين إلى الضوءالخافت لشاشاتهم الصغيرة، لا شغفًا بالمحتوىالمتدفق بين أيديهم، بل رغبة في اقتطاع حصة منالحرية التي سُلبت منهم طوال النهار.

من الناحية النفسية، تُعرَّف ظاهرة تأجيل النومانتقامًا بأنها آلية دفاعية سلوكية ونمط تعويضي غيرمتكافئ، يُقدم فيه الفرد على تأخير وقت النوم عمداًدون وجود أي موانع بيئية أو إكراهات خارجية، رغمإدراكه التام للعواقب السلبية المترتبة على ذلك فيالصباح التالي.

وتكمن جذور هذا السلوك في محاولة غير واعيةلاستعادة الاستقلالية الذاتية الشكليّة وتخفيف حالةالاستنزاف التنفيذي التي يتعرض لها العقل طوالاليوم، حيث يُستخدم الليل كمساحة بديلة لممارسةأوهام السيطرة والتحكم النفسي بعد يوم حافلبالإكراهات والالتزامات المتواصلة.

يقف الباحث النفسي أمام هذه الظاهرة ليشهدشكلًا فريدًا من التمرد الهادئ. إن الإنسان الذييقضي بياض يومه كاملاً تحت وطأة المتطلباتالمهنية والاجتماعية، يجد نفسه متحولًا إلى منفذسلبِي لرغبات الآخرين وجداولهم الزجاجية الصلبة. يتم استهلاك طاقته التوجيهية وتفرغ قدرته علىالتحكم بالذات تدريجيًا على مدار الساعات. ومعغياب الشمس، يتولد في الأعماق إحساس جارفبالفقدان؛ الفقدان لاستقلالية القرار، وللمساحة التييتنفس فيها المرء دون إملاءات. هكذا ينقلب الليل منمأوى طبيعي للجسد المجهد إلى ساحة معركةرمزية، يمارس فيها الفرد انتقامًا مشروعًا فيظاهره، ومدمّرًا في باطنه؛ إنه يستعيد سلطتهالمفصولة عبر سرقة ساعات من ليل كان ينبغي أنيُمنح للنوم، ليمنحها لنفسه في حريّتها الموهومة.

من يدخل هذه الدائرة المغلقة يعلم علم اليقين أنالثمن المؤجل سيكون باهظًا في الصباح التالي. العقل المدرك يعي تمامًا نتائج هذا السهر من خمول،وتشتت، وإرهاق يُضعف الأداء الإنساني، والقلبيستشعر ضغط الوقت، ومع ذلك تظل تلك الساعاتالمتأخرة تسحر النفس بصورة لا تُقاوم.

الكاتب الصحفي يرصد هذا المشهد بوصفه وثيقةإنسانية تجسد حجم الفجوة بين قدرة الإنسان علىالإنتاج في المنظومة الحديثة وبين قدرته على العيشالحقيقي. الممارسات البسيطة التي يمارسها الفردليلاً، من تصفح بلا هدف، أو متابعة لمشاهد عابرة، لاتمثل متعة حقيقية بقدر ما تشكل استراحة للمحاربالمنهك، أداة لتخدير الوعي كي لا يواجه حقيقة أنيومه انتهى دون أن يترك فيه أثرًا يخصه وحده.

تتضح الإشكالية الأعمق في كون هذا الانتقام يتجهنحو الذات لا نحو المصدر الحقيقي للضغط. يعتقدالمرء أنه يقتص من ساعات العمل ومن صخب الحياةالذي انتزع منه نهاره، بينما هو في واقع الأمريقتطع من رصيده الصحي والنفسي. يتراجعمخزون الصبر لدى الفرد، وتتأكل مناعته النفسيةأمام ضغوط الغد، ليدخل في حلقة مفرغة لا بداية لهاولا نهاية؛ يوم مجهد يقود إلى سهر انتقامي، وسهرانتقامي ينشئ يومًا جديدًا أكثر إرهاقًا وفقدانًاللسيطرة. تتحول الحياة إلى مطاردة مستمرة للوقت،يُضحى فيها بالجسد في سبيل إرضاء شعور زائفبالاستقلالية.

إن تحليل هذه الحالة يستدعي التوقف عند طبيعةالشغف والمساحة المتاحة للإنسان في مجتمعاتناالمعاصرة. غياب التوازن بين الالتزام والراحة، وضغطالسعي الدائم نحو الكفاءة والإنجاز، حوّلا الوقتالشخصي إلى رفاهية يصعب الحصول عليها نهارًا. يهرب المرء إلى عتمة الليل بحثًا عن نفسه، متناسيًاأن السلام الداخلي لا يتحقق بمغافلة الجسدوحرمانه من حقه الفطري في السكون. التوازنالنفسي يفرض إعادة النظر في مفهوم الإنجاز ذاته،وفي كيفية رسم الحدود الفاصلة بين ما نمنحه للعالمالخارجي وما نحتفظ به لطمأنينتنا الداخلية.

ولفك الارتهان النفسي لهذه الظاهرة واستعادةالشفاء الذاتي، تتطلب المعالجة خطوات عملية تبدأبإعادة هندسة النهار بدلاً من تقديس الليل؛ أولهاتخصيص اقتطاع زمني غير قابل للتفاوض منتصفاليوم لممارسة نشاط شخصي خالٍ من الالتزاماتلكسر الشعور بالحرمان الاستقلالي. ثانيًا، إعادةصياغة الروتين المسائي عبر تقليل القرارات التنفيذيةالمتأخرة وإبعاد المشتتات الرقمية ذات الدوبامينالسريع التي تُحفز الدماغ قسريًا. وأخيرًا، تبنيمنظور إنساني مرن تجاه الإنجاز، يدرك أن منحالجسد حقه الفطري في النوم ليس هزيمة أواستسلامًا، بل هو أعلى درجات المصالحة مع الذاتوالشرط الأساسي للاستمرار في العيش بوعيواتزان.

قد يعجبك ايضا
∧