بدل رفو.. من ذاكرة المنفى إلى أسئلة الثقافة والإنسان

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا تقاس تجربة الكاتب بعدد البلدان التي زارها، ولا بعدد الكتب التي أصدرها أو التكريمات التي نالها، بل بقدرته على تحويل التجربة إلى معرفة، والمشاهدة إلى رؤية، والذاكرة إلى نص يتجاوز حدود السيرة الشخصية. ومن هذا المنطلق، تستحق تجربة الشاعر والرحالة والمترجم الكوردي بدل رفو قراءة تتجاوز الاحتفاء بمحطاتها، لتتوقف عند ما تكشفه من أسئلة تتعلق بالمنفى والهوية، ووظيفة أدب الرحلات، ودور المثقف في بناء جسور التواصل بين الثقافات.

لم يقطع المنفى صلة بدل رفو بوطنه الأول؛ فقد ظلت الموصل، بأزقتها وملامحها القديمة، حاضرة في وجدانه، إلى جانب ذكرى والدته التي رحلت عام 2018. غير أن استعادة المكان لا تقتصر على الحنين، بل تكشف عن الدور الذي تؤديه الذاكرة في تشكيل الكتابة، ولا سيما حين يصبح البعد وسيلة لرؤية تفاصيل الماضي من زاوية مختلفة. وقد أتاح له العيش في النمسا الانفتاح على بيئة ثقافية جديدة، والتواصل مع آداب ولغات متعددة. لكن تجربة المنفى لا تختزل في فرصها الإبداعية؛ فهي تحمل أيضاً خساراتها النفسية والاجتماعية. ومن ثم، فإن أهمية تجربة بدل رفو تكمن في الطريقة التي تعامل بها مع هذا التحول، لا في اعتبار الغربة مكسباً مطلقاً أو نموذجاً صالحاً للتعميم.
يحمل عنوان كتابه (العالم بعيون كوردية) دلالة على موقع الهوية في نظرته إلى البلدان التي زارها. فالكاتب ينطلق من ذاكرته وثقافته، لكنه يواجه عبر الرحلة عادات وتجارب اجتماعية مختلفة، تتيح له توسيع معرفته بالإنسان خارج حدود المكان الأول. وتبرز قيمة أدب الرحلات حين يتجاوز وصف المعالم إلى قراءة الحياة اليومية، بما فيها من عادات وتفاوتات وتحولات. وقد تنقل بدل رفو بين بلدان عديدة، من الهند ومصر والمغرب إلى فرنسا وكرواتيا وآسيا الوسطى، مستنداً إلى المشاهدة المباشرة ولقاء الناس.
لكن الرحلة، في جوهرها الأدبي، لا تقاس باتساع المسافة وحده، بل بما تضيفه إلى فهم الكاتب للمكان والإنسان. فالمشاهدة تمنح النص مادته الأولى، فيما تمنحه القدرة على التأمل والمقارنة عمقه الثقافي. ومن هنا تبرز أهمية أن تتحول التفاصيل اليومية إلى معرفة تتجاوز الانطباع العابر، من دون أن تفقد عفويتها وخصوصيتها. وتكشف علاقة بدل رفو بمدينة شفشاون المغربية عن هذا التداخل بين المكان والذاكرة؛ إذ تستحضر أزقتها لديه صور الموصل القديمة وطفولته الأولى. ولا يعني هذا التشابه أن المدينتين تتطابقان، بل إن لكل منهما تاريخها وخصوصيتها، فيما يربطهما في وجدان الكاتب ما يوقظه المكان من ذكريات.
تمثل ترجمة الشعر النمساوي إلى العربية والكردية جانباً مهماً من نشاط بدل رفو، بما تتيحه من تعريف القارئ بآداب لا تصل إليه دائماً بلغاتها الأصلية. ويشير إلى الصعوبات التي تواجه نشر الأعمال المترجمة، في ظل محدودية اهتمام بعض دور النشر بهذا المجال. وهذه المشكلة تتجاوز جهود المترجم الفردية إلى بنية النشر الثقافي، التي تحتاج إلى مؤسسات تؤمن بقيمة الترجمة وتمنحها فرصة الوصول إلى القراء. فنجاح المشروع الترجمي لا يتوقف على معرفة اللغات وحدها، بل يتطلب حسن اختيار النصوص، ودقة نقلها، وتوفير شروط نشر وتوزيع تضمن استمرار تداولها. ومن هنا، لا تبدو الترجمة عملاً لغوياً معزولاً، بل ممارسة ثقافية تسهم في كسر العزلة، وتتيح للآداب أن تتبادل الخبرات بعيداً عن الحدود القومية واللغوية.
يرفض بدل رفو الحرب والظلم والتملق للسلطة، ويرى أن الشعر ينبغي أن ينحاز إلى الإنسان. ويضع هذا الموقف قضية استقلال المثقف في صلب العلاقة بين الأدب والمجتمع؛ فالكاتب لا يعيش خارج الواقع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تابع لسلطة أو أداة لترويج خطابها. ومع ذلك، فإن الالتزام الأخلاقي لا يغني عن القيمة الفنية. فالشعر لا يكتسب قوته بمجرد إعلان المواقف، بل بقدرته على تحويلها إلى تجربة إنسانية وجمالية تفتح باب التفكير. وقد أثارت عبارته (كلما كثر شعراء المقاومة كثرت الحروب) سؤالاً عن جدوى الخطاب الذي يكرر الشعارات من دون أن يراجع علاقته بالواقع. لكنها لا تعني أن الشعر سبب في الحروب؛ فالصراعات تصنعها عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز الأدب. وتتصل هذه الرؤية باهتمامه بأحوال الناس في البلدان التي زارها، ولا سيما مشاهد الفقر والحياة اليومية في الهند ومصر. فالمكان، في هذه التجارب، ليس منظراً جمالياً فقط، بل واقعاً بشرياً يستحق التأمل، وتستدعي قراءته الجمع بين التعاطف وفهم الظروف الاجتماعية.
كما يربط بدل رفو مفهوم الوطن بالكرامة والحرية، ويرى أن انتماء الأديب يمتد إلى الإنسانية. وتكتسب هذه الرؤية دلالتها من تجربته التي جمعت بين الهوية الكوردية والذاكرة العراقية والحياة في المهجر. فالانتماء المحلي لا يناقض الانفتاح على الآخر، كما أن الاعتزاز بالجذور لا يستلزم الانغلاق. وقد أتاحت له الرحلات والترجمة نقل جانب من ثقافته إلى الآخرين، والتعرف في المقابل إلى تجارب مختلفة. وتبقى قيمة هذا التواصل مرتبطة بقدرته على احترام الخصوصيات، لا اختزال الثقافات في صور جاهزة أو أحكام عامة.
إن تجربة بدل رفو، بما تجمعه من شعر وترحال وترجمة، تفتح مجالاً للتأمل في علاقة المثقف بمكانه الأول وبالعالم الذي اكتشفه عبر الغربة. وهي تجربة تستحق القراءة من خلال أعمالها وأسئلتها، بعيداً عن الاكتفاء بسرد محطاتها أو تعداد تكريماتها.
فالمعيار الأهم ليس المسافة التي قطعها الكاتب، بل ما أضافته إلى رؤيته؛ وليس عدد الثقافات التي اقترب منها، بل طبيعة الحوار الذي أقامه معها. وبين الموصل التي تسكن الذاكرة، وشفشاون التي تستحضر الطفولة، والنمسا التي احتضنت نشاطه الثقافي، تتشكل رحلة لا تنفصل فيها الكتابة عن التجربة، ولا تنفصل فيها الهوية عن حق الإنسان في الانفتاح على العالم.

قد يعجبك ايضا
∧