نزهون الغرناطية

د . صباح ايليا القس

 

هي ابنة المدينة كما تقول عنها المصادر ويقصد بذلك الحواضر في مفهومنا المعاصر اي من سكان المدن التي تعرف بجمالها وامرائها وشعرائها اي ان شعرها يشتمل على مساجلات بينها وبين الشعراء ولا تتورع من مجاراتهم في فحش القول اذا تطلب الامر ..

اسمها ايضا نزهون بنت القلاعي من حيث النسب القبلي وتنسب الى المدينة التي تمثلها فيقول نزهون الغرناطية والاسمان يدلان على مقصودة واحدة .

تشتمل حياتها الادبية على شعر العفاف عند هدوء النفوس وفي الجانب الآخر لها شعر غير نظيف بل جريء غير عفيف كانت في مواجهة شعراء الاندلس الند للند ففي مطارحات العفة معها تلبس لباس العفة واما في المشاغبات فلها لسان جارح وغير مؤدب .

كانت تفعل ذلك في ديوان الوالي وتقف بالضد من الأعمى المخزومي وابن قزمان سوى الوزير ابي بكر بن سعيد فتصرعهم ولكنهم يغلبونها عند استعمال الخسيس من الالفاظ والساقط من المعاني .

كتب الوزير ابو بكر بن سعيد في الاعجاب بها والغيرة عليها فقال :

يا من له ألف خِلٍّ        من عاشقٍ وصديقِ

اراك خلَّيتَ للناس       منزلا في الطريق

بمعنى أن هناك كثيرا من المعجبين تلتقين بهم وتتعاطفين معهم حتى فتحت لهم الابواب للناس أجمعين وتناسيت موقعنا وعلاقتنا ومودتنا فأجابته قائلة:

حَلَلْتَ ابا بكر محلًّا منعتَه             سواك وهل غير الحبيب له صدري

وإن كان لي كمْ من حبيب فإنما       يُقدِّم أهلُ الحقّ حُبِّ أبي بكرِ

وهي في هذين البيتين تؤكد له محبتها وان صدرها لحبيب واحد واما الآخرون فهم بمرتبة الاعزاء .

هذان البيتان يظهران شجاعتها غير هيّابة من التصريح بحبها اذ انها نسجت من حبها حكاية وجعلت الامر الثاني حادثة اعتيادية فما في القلب لا تؤثر فيه متطلبات ادارة الايام .

وهناك قصة لها مع ابن قزمان الشاعر الذي كاد ان يضربها حين كان يقرأ شعره لابي بكر مع جماعة من الادباء فلما رأته لابسا زي الفقهاء وبدلا من أن تمتدحه بكلمة طيبة قالت له : احسنت يا بقرة بني اسرائيل ولكن ابن قزمان لم ينفعل بل انه أخذ الامر بهدوء لكي لا يزعج الوالي ولكي لا يفسد المجلس فقال لها :

اذا لم أُسرّ الناظرين فاني قد أفرحت السامعين .. وحاول بعد انتهاء المجلس أن يضربها لكن الناس منعوه من فعل ذلك .

ليس من باب المدح أن نقول ان نزهون شاعرة يخشاها الشعراء الرجال بل ويحسبون لها الحساب عند تواجدها معهم في الدواوين والاندية .

وهناك حكايات عن سلوكها غير الطبيعي احيانا وكثرة الفحشاء في شعرها وحديثها وقولها النحيس الذي يخدش الحياء احيانا لكن في جميع هذه الاحوال لا يمكن ان نقول عنها الا انها شاعرة قادرة مقتدرة في القول والفعل . اذ كانت مثالا لوحدها لم تعرف بلاد الاندلس لها مثيلة .

 

قد يعجبك ايضا
∧