لماذا ينتحر شبابنا

د. ياس خضير البياتي

ثلاثةُ شبابٍ في بغدادَ فقط أنهوا حياتهم يوم الجمعةالماضي. أعمارُهم متقاربة، وأحلامُهم ربما كانتمتقاربة أيضًا، لكننا لا نعرف تلك الأحلام التيانكسرت، ولا الأبواب التي طرقوها فلم تُفتح، ولاالكلمات التي ابتلعوها حتى أثقلت أرواحهم عنالبوح. نعرف فقط أنهم ماتوا.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فنحن في العراق بارعونفي معرفة من مات، لكننا أقل براعة في السؤال: لماذاكان يعيش وحيداً وهو بين أهله؟ ننتظر الجنازة، ثمنكتب: «شاب في مقتبل العمر ينهي حياته». وكأنالحياة كانت كتاباً وأغلقه بنفسه. ثمنت فرق. الأبيعود إلى صمته، والأم إلى صورتها المعلقة فيالبيت، والأصدقاء إلى هواتفهم، والمجتمع إلىانشغالاته، وتبقى أسئلة كثيرة بلا جواب.

لماذا وصل شاب في العشرين إلى هذه الحافة؟ ماذاحدث له؟ من كان يسمعه؟ ومن كان يستطيع أن يقولله: توقف… لا تفعلها، تعال نتحدث؟

المشكلة أن الشاب العراقي يعيش اليوم في عالممزدحم بكل شيء… إلا الطمأنينة؛ هاتف في يده،ومئات الأصدقاء في قائمة التواصل، ومئات الصورأمام عينيه، لكنه قد لا يجد إنساناً واحداً يجلس معهويقول له من دون محاضرة ولا نصيحة ولا تهديد: »احچي… آني أسمعك.» وهذه واحدة من مفارقاتزمننا.

صرنا نعرف ماذا أكل فلان، وأين سافر علان، ومناشترى سيارة جديدة، ومن تزوج، ومن انفصل، ومنربح، ومن خسر، لكننا لا نعرف ماذا يحدث داخلابننا حين يغلق باب غرفته.

نربي أبناءنا على النجاح، ولا نعلمهم ماذا يفعلونعندما يفشلون. نطالبهم بالمعدلات، بالوظيفة،بالزواج، بالبيت، بالسيارة، بالمستقبل… ثم نستغربعندما ينهار أحدهم تحت وزن كلمة واحدة اسمهاالمستقبل. وهو في الأصل كان حلماً.

أما عند بعض شبابنا فقد تحول إلى فاتورة؛ وظيفةلا تأتي، بيت لا يُشترى، زواجي تأخر، حياة يريد أنيبدأها ولا يعرف من أين يبدأ، ومقارنة لا تنتهي معالآخرين، يفتح هاتفه، فيرى صديقه في دبي، وآخرفي أوروبا، وثالثاً اشترى سيارة، ورابعاً تزوج،وخامساً حصل على وظيفة. ثم ينظر إلى نفسه. فيقول له عقله القاسي: وأنت؟

وهنا لا تكون المشكلة في الهاتف وحده، ولا في الفقروحده، ولا في البطالة وحدها، ولا في الحب الفاشلوحده. المشكلة في تراكم الهزائم الصغيرة. الهزيمةالتي لا ننتبه إليها لأنها صغيرة. ثم هزيمة أخرى. ثمأخرى. حتى يصبح الإنسان نفسه مقتنعاً بأنه خسركل شيء، مع أنه ربما لم يخسر إلا مرحلة من حياته. لكن من يقف داخل العاصفة لا يرى دائماً أن وراءهاسماء. وهنا يأتي دور الأسرة.

أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى نصيحة. يحتاج إلىأذن. إلى حضن. إلى شخص لا يحاكمه وهويتحدث. أما الصحة النفسية فما زلنا نتعامل معهافي كثير من الأحيان وكأنها تهمة. إذا أصيبالإنسان بمرض في القلب نبحث له عن أفضل طبيب. وإذا أصيب بألم نفسي، نقول له:صلِّ… انشغل…انسَ الموضوع… غيرك أسوأ منك. وكأن القلب إذاكان في الصدر نعالجه، وإذا كان في الروح نوبخه! وهذا خطأ قاتل.

ثم يأتي الإعلام. تحدث حالة انتحار، فتبدأ المسابقةالمعتادة: من ينشر أولاً؟ من يضع العنوان الأكثرإثارة؟

من يعرف التفاصيل؟ من ينشر الصورة؟ وكأننا أماممباراة وليس أمام إنسان مات. هنا يجب أن نتوقف. الانتحار ليس مادة للفرجة. ولا يجوز أن نمنح الموتشهرة قد تدفع شخصاً هشاً إلى تقليد ما شاهده أوقرأه.

الإعلام المهني لا يكتفي بأن يخبر الناس بأن شاباًمات. الإعلام المهني يسأل المجتمع: كيف نحميالشاب الذي ما زال حياً؟ وهذه هي القضية.

ثلاثة شباب في بغداد. لا نعرف قصصهم كاملة. ولايجوز أن نخترع لهم أسباباً بعد موتهم. لكن يمكن أننجعل من موتهم سؤالاً حياً. ماذا فعلنا بشبابنا حتىصار بعضهم يرى الموت أقرب من المستقبل؟ هذاالسؤال لا يخص الأطباء وحدهم. ولا الأسرة وحدها. ولا الحكومة وحدها. إنه سؤال مجتمع كامل. فالشابالذي يموت مرة واحدة قد يكون وراءه مجتمع ماتفيه شيء صغير كل يوم: الحوار، والاحتضان،والثقة، والأمل، لأن الحياة…إذا ذهبت، لا تعود.

اقتربوا من أبنائكم. اسألوهم، وأصغوا إليهم، وخفّفواعنهم ثقل التوقعات. فالكلمة الصادقة، والإنصات بلالوم، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، قد تصنعفرقًا كبيرًا. لا تتركوا أحدًا يواجه عاصفته وحده. وقبلأن يصبح الموت، في عيون بعضهم، أهون منالحياة.

قد يعجبك ايضا
∧