عقول صغارنا في مكان آخر

اميمة ابراهيم السامرائي

نحن نقول لأطفالنا لا تخرجوا مع الغرباء، ثم نتركهمساعات طويلة أمام غرباء يدخلون بيوتنا عبرالشاشات؛ يضحكون معهم ويصنعون ذائقتهم، حتىيغدوا مألوفين للحد الذي يدفهم للبحث عنهم فيالواقع. كل مساء نطمئن لأن أطفالنا أمام أعيننا فيالبيت ونحسبهم بأمان، بينما الحقيقة أن عقولهمتغادر البيت كل يوم دون أن يعلن أحدٌ اختفاءها…

قبل ايام، اختفى طفلان من أبناء الجيران أحدهمافي السادسة والآخر في الخامسة, وهرع الجميعيبحث عنهما بهلع .. أهل، وجيران، وقلوب تركض هناوهناك تجوب الشوارع تبحث تتساءل.. ساعتانونصف من الخوف حيث الأفكار السوداء تعصفبالوالدين, ثم.. بعد ساعتان ونصف وجدوهما, اين؟في حي اخر, وعندها فقط عرفنا الحكاية.

لم يضيَعا الطريق، ولم يتبعا غريبا صادفاه فيالشارع، ولم يسرقهما احدا, ببساطة كانا يعرفانتماما ما يريدان: شاهدا عبر الهاتف أحد مشاهيرالمنصات وهو يوزع بعض الهدايا في حي قريبفقررا (بمنطق طفولي شديد البراءة وشديد الخطورةفي الوقت نفسه)، أن يخرجا للبحث عنه.

ساعتان ونصف وهما يجوبان الشوارع بجرأةوإصرار لا يناسبان طفلا في الخامسة أو السادسة. لا خوف من الطريق، ولا اشتياق إلى أم أو أب، ولاجوع أعادهما إلى البيت. كان لديهما هدفواضح… ومضيا خلفه.

قد تبدو الحادثة طريفة للوهلة الأولى, وربما ضحكبعضنا حين سمعها، وتخيل طفلين صغيرين يمشيانبثقة في الشارع وكأنهما في مهمة رسمية. لكننيكأم لم أستطع أن أضحك على الحكاية بل كان قلبييخفق بقوة وانا افكر بمشاعر امهما في تلكالساعات. فدفعتني مخاوفي إلى ان أمسك القلموأسأل: كيف استطاعت شاشة صغيرة أن تجعلطفلا في الخامسة يغادر أكثر الأماكن أمانا فيحياته ليخوض الشوارع مطمئنا وراء شخص لم يلتقبه قط؟

نافذة واسعة

في الحقيقة, لم يعد الهاتف في أيدي أطفالنا مجردلعبة صغيرة نستعين بها حتى يأكل الطفل وجبتهبهدوء، أو يسكت قليلا بينما ننهي أعمالنا, بل تحول( من دون أن نشعر) إلى نافذة واسعة جدا يدخل منهاكل شيء: اللغة، والسلوك، والذوق، والخوف،والضحك، والأحلام، وحتى الأشخاص الذين يختارالطفل أن يحبهم ويقلدهم.

نحن نقول لأطفالنا لا تخرجوا مع الغرباء، ثم نتركهمساعات أمام غرباء يدخلون بيوتنا يوميا، يضحكونمعهم، يحدثونهم، ويصبحون بالتكرار مألوفين إلىالحد الذي قد يدفع طفلا إلى البحث عن أحدهم فيالواقع, ثم نسأل بدهشة من أين جاء هذا السلوك؟

الحمد لله أن المغامرة انتهت بسلام, لكن السؤالالذي بقي معي , إذا استطاعت الشاشة اليوم أنتقودهما إلى شارع بعيد… فإلى أين ستقود هذاالجيل بعد عشر سنوات؟ ماذا سيطارده عندما يكبر؟ترندا؟ شهرة؟ بلوغر لا يعرفه؟ وكم سيبتعد عن بيتههذه المرة؟؟!!

ثم إن القضية أعمق من مغامرة طفلين, فأي إنساننصنع حين يكبر طفل وهو معتاد على أن تُقاس قيمةالأشياء بعدد المشاهدات وأن الشهرة مرادف للأهميةوأن كل لحظة تستحق أن تُصوَّر ونتشاركها معالاخرين, وكل موقف يمكن تحويله إلى محتوى؟

ماذا يحدث لخياله حين تقدّم له الشاشة الصورجاهزة؟ وماذا يحدث لصبره حين يتعلم منذ طفولتهأن كل ما لا يعجبه يمكن التخلص منه بحركة إصبعواحدة إلى الأعلى؟ وكيف ستكون علاقاته بالآخرينوهو الذي اعتاد مقاطع الريلز: سريعة، ممتعة، وقابلةللتجاوز؟

هذه ليست أسئلة متشائمة، ولا دعوة إلى محاكمةالتكنولوجيا, إنها فقط أسئلة تأخرنا كثيرا (على مايبدو) في طرحها. الأجيال القادمة لن تكون أقل ذكاءمنا وربما ستكون أذكى بكثير في التعامل معالتكنولوجيا، لكنها قد تحتاج إلى جهد أكبر كيتتعلم أشياء كانت تأتي إلينا بصورة طبيعية. كلمساء نطمئن لأن أطفالنا أمام أعيننا، جالسين فيالبيت، فنحسبهم بأمان… بينما الحقيقة أن عقولأطفالنا قد تغادر البيت كل يوم من دون أن يعلن أحدأنها مفقودة.

قد يعجبك ايضا
∧