مديرية البيطرة في العراق بين التوثيق المؤسسي ورهان المستقبل

مقالة في ضوء الرؤية النقدية لكتاب الدكتور صلاح فاضل عباس
بقلم الناقد والأديب حسن حسّانين العمدة

يمثل كتاب «مديرية البيطرة في العراق: تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل» للدكتور صلاح فاضل عباس محاولة جادة لإعادة وضع المؤسسة البيطرية في مكانها الصحيح داخل بنية الدولة. فالكتاب لا يتعامل مع البيطرة بوصفها عملاً علاجياً محدوداً أو خدمة مهنية تخص الحيوان وحده، بل يقدّمها بوصفها منظومة تمتد آثارها إلى صحة الإنسان، والأمن الغذائي، وحركة التجارة، والاقتصاد الريفي، والقدرة الوطنية على الوقاية والاستجابة للأوبئة. ومن هذه الزاوية تتجاوز قيمة العمل حدود التخصص، لتصبح قراءة في الإدارة العامة وفي شروط بناء مؤسسة قادرة على الحماية والاستباق.
أهم ما يلفت في الكتاب هو فكرته المركزية: أن الخدمة البيطرية منظومة مترابطة لا تختزل في الطبيب والعيادة. فنجاحها يتوقف على تفاعل التخطيط، والتمويل، والمختبرات، والرقابة، والمنافذ الحدودية، والمحاجر، والمجازر، والتلقيح، والرصد الوبائي، والموارد البشرية. لذلك فإن أي خلل في مستوى من هذه المستويات يمكن أن ينعكس على المنظومة كلها، حتى لو كانت الخبرة الفردية للطبيب البيطري عالية. بهذه الرؤية ينقل المؤلف المسؤولية من الفرد إلى النظام، ومن معالجة النتيجة إلى فهم أسبابها المؤسسية.
وتكمن قيمة هذا التحول في أنه يجعل السؤال الرئيس مختلفاً: ليس هل توجد خدمة بيطرية فحسب، بل هل تصل في الوقت المناسب، وهل تتصف بالدقة والاستمرار، وهل تقاس نتائجها وتُراجع كلفتها وفعاليتها؟ وهذا هو منطق الإدارة الحديثة؛ إذ لا تكفي كثرة الأنشطة أو اتساع الجهاز الإداري ما لم تتحول الموارد إلى نتائج قابلة للقياس في الوقاية، والتشخيص، والسيطرة على المرض، وحماية الغذاء.
يوثق الكتاب الهيكل التنظيمي لمديرية البيطرة، ومسارات العمل فيها، وصلتها بالمستشفيات البيطرية والمستوصفات والوحدات التنفيذية. وهو توثيق ذو أهمية خاصة لأن تفاصيل المؤسسات غالباً ما تضيع بين القرارات المتعاقبة وتبدل الإدارات، بينما تحتاج الدراسات اللاحقة إلى معرفة كيف كانت المؤسسة تعمل فعلاً، لا كيف ينبغي أن تعمل في التصورات النظرية فقط. ومن هنا يتحول الكتاب إلى سجل مفيد للباحثين في تاريخ الإدارة البيطرية العراقية، وللمعنيين بتطور الخدمات العامة في الدولة.
كما يبرز الكتاب ضرورة البيانات والإحصاءات في العمل البيطري. فمعرفة أعداد الثروة الحيوانية، وانتشار الأمراض، والموارد المتاحة، وتوزع الكوادر، وحركة المنتجات الحيوانية، ليست تفاصيل ثانوية؛ بل هي أساس القرار. فلا يمكن وضع خطة لقاح أو بناء مختبر أو توزيع كوادر من دون معلومات موثوقة ومحدثة. وهذا يدفع باتجاه إدارة قائمة على الدليل، لا على الانطباع أو المعالجة المتأخرة للأزمات.
تتضح راهنية الكتاب في تأكيده الارتباط بين الصحة الحيوانية والصحة البشرية. فالأمراض المشتركة، وسلامة الغذاء، وفحص الحيوان قبل الذبح وبعده، وتنظيم الاستيراد والحجر، كلها مسائل لا تنتمي إلى قطاع منعزل. إنها جزء من مفهوم «صحة واحدة» الذي يرى الإنسان والحيوان والبيئة في شبكة متداخلة. وقد أحسن المؤلف حين ربط العمل البيطري بالاستجابة السريعة للأوبئة وبالتعاون بين الصحة والبيئة والمنافذ والجامعات والمنظمات الدولية.
ومن منظور أوسع، يقدّم الكتاب درساً مهماً: الوقاية البيطرية ليست إنفاقاً هامشياً، بل دفاع مبكر عن الغذاء والاقتصاد والصحة العامة. فالمرض الحيواني قد يبدأ في حظيرة، لكنه يستطيع أن ينتقل إلى السوق، أو يربك التجارة، أو يرفع الأسعار، أو يتحول إلى خطر على الإنسان. لذلك فإن قوة المؤسسة البيطرية ينبغي أن تقاس بقدرتها على منع التهديد قبل اتساعه، لا بعد وقوعه فقط.
من الجوانب المضيئة في العمل عرضُه لمساحات التعاون مع المنظمات الدولية والبرامج المتخصصة في التدريب، وتطوير المختبرات، والأمن البيولوجي، والرصد الوبائي، ونقل العينات. وهذه المادة تثبت أن تطوير الخدمات البيطرية لا يتم بقرار محلي منفرد، بل يحتاج إلى صلات علمية ومهنية دائمة مع المعايير والخبرات الدولية. كما أن تناول برنامج تقويم أداء الخدمات البيطرية يلفت النظر إلى أهمية التقييم الخارجي، حتى لا تتحول المؤسسة إلى جهة تقيس أداءها بذاتها وتعتاد مواطن الضعف فيها.
ويمنح قرب المؤلف من التجربة الإدارية الكتاب ميزة واضحة، إذ يتيح للقارئ الاطلاع على آليات قرار وتفاصيل ميدانية لا تظهر دائماً في التقارير الرسمية. غير أن هذه الميزة ذاتها تستدعي، في الطبعات المقبلة، دعماً أوسع بمصادر تقييم مستقلة، ومقابلات أو شهادات مهنية متعددة، حتى يتوازن التوثيق الذاتي مع الرؤية التحليلية الموضوعية. فالمقصد ليس الانتقاص من الشهادة، بل زيادة قدرتها على الإقناع والبقاء العلمي.
تتمثل الملاحظة البنيوية الأبرز في اتساع المادة وتنوعها بين التاريخ المؤسسي، والإدارة، والتعاون الدولي، وبرامج السيطرة على الأمراض، والمختبرات، والمجازر، والرقابة. هذا الاتساع ثراء حقيقي، لكنه يحتاج إلى هندسة فصلية أكثر إحكاماً. ويمكن أن تتوزع المادة في طبعة لاحقة على أربعة محاور واضحة: الإطار النظري والإداري، والتاريخ المؤسسي والتحديات، والبرامج الفنية والتعاون الدولي، ثم التقييم والرؤية المستقبلية. مثل هذا التنظيم يمنح القارئ خريطة أوضح لمسار الكتاب، ويزيد وحدة المشروع الأكاديمية.
ويحتاج العمل كذلك إلى خاتمة تنفيذية تجمع بين المشكلة والسبب والأثر والإجراء المقترح والجهة المسؤولة ومؤشر النجاح. فالتشخيص والتوصية حاضران بقوة، لكن تحويلهما إلى خريطة عمل ذات أولويات زمنية سيجعل عنوان «متطلبات المستقبل» أكثر عملية. كما أن الجانب التشريعي يستحق باباً مستقلاً يتناول الحجر البيطري، والأدوية، والاستيراد، والذبح، والرقابة، وصلات التشريع العراقي بالمعايير الدولية.
أما البعد الاقتصادي فيستحق توسعاً مماثلاً، عبر مقارنة كلفة المرض بكلفة الوقاية، وقياس العائد من التلقيح، والخسائر الناجمة عن التأخر في التشخيص، وأثر الذبح غير النظامي، والقيمة الاقتصادية لتطوير المختبرات. فحين تُعرض هذه الأبعاد بلغة الأرقام، يصبح من الأسهل إقناع صانع القرار بأن تمويل الوقاية استثمار وطني، لا عبء مالي خالص.
ويتطلب المستقبل أيضاً حضوراً أوسع للتحول الرقمي: سجل حيواني موحد، وترقيم إلكتروني، وقواعد بيانات للأمراض، ونظم إنذار مبكر، وخرائط وبائية، وربط لحظي بين المختبرات والمنافذ والمحافظات. إن إدخال هذه العناصر لا يغير الشكل التقني للخدمة فقط، بل يرفع قدرتها على الاستجابة واتخاذ القرار قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة واسعة.
تنبع أهمية كتاب الدكتور صلاح فاضل عباس من أنه لا يكتب عن الحيوان بوصفه موضوعاً منفصلاً عن المجتمع، بل عن الدولة حين تواجه سؤال التنظيم والوقاية والقدرة على تحويل المعرفة إلى قرار. إنه يذكّر بأن المختبر، والطبيب، واللقاح، والتشريع، والبيانات، والتمويل، ليست حلقات متفرقة؛ بل عناصر في منظومة واحدة. وإذا انقطعت الصلة بينها، بقيت الخبرة موجودة من دون أثر كافٍ في الواقع.
لذلك فإن هذا الكتاب، بما يحمله من توثيق وخبرة واقتراحات، يشكل مادة نافعة للمتخصص وصانع القرار والباحث. وهو لا يقدم نفسه نموذجاً مكتملًا مغلقاً، بل تجربة جديرة بالنقاش والمراجعة والتطوير. وهذه هي فضيلته الأساسية: أنه يفتح باباً للتفكير في البيطرة العراقية بوصفها جزءاً أصيلاً من الصحة العامة والأمن الغذائي والاقتصادي، ومن قدرة الدولة على حماية مواطنيها قبل أن تتحول الأخطار إلى كوارث.

قد يعجبك ايضا
∧