طارق الحلفي
قراءة في قصيدة “إعلان سياحي عن حاج عمران” لسعدي يوسف
من نقد المضمون إلى نقد اللغة
تُعدّ قصيدة “إعلان سياحي عن حاج عمران” لسعدي يوسف (1934–2021) من أنضج نصوص الرثاء السياسي في الشعر العربي المعاصر. كُتبت في أديس أبابا سنة 1983، أي في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وفي منفى الشاعر البعيد عن وطنه.
تستقطب هذه القصيدة قراءات نقدية متعددة، يمكن ان تتناول أبعادها التاريخية والسياسية والفلسفية، الا ان مثل هذه القراءات تظل أسيرة منهج “نقد المضمون” الذي يخبرنا بما تقوله القصيدة، أكثر مما يحلل كيف تقوله. لذا احاول بهذه الدراسة ان اتجاوز هذا القصور من خلال مقاربة أسلوبية تركز على الآليات اللغوية الدقيقة التي تصنع معنى النص.
الفرضية المركزية التي تحكم هذه القراءة هي أن القوة السياسية لهذه القصيدة لا تكمن في موضوعاتها: الحرب، الاحتلال، التاريخ، انما في كيفية تحويل هذه الموضوعات إلى تجربة لغوية يعيشها القارئ أثناء القراءة.
لا يكتب سعدي عن التاريخ الدوري، بل يكتب بالطريقة التي تجعل التاريخ الدوري يُعاش في اللغة ذاتها.
من هنا
تنطلق الدراسة من أربعة محاور لغوية:
(1) القوسان بوصفهما بنية نحوية للصدمة،
(2) صيغة المضارع “يأتي” بوصفها آلية للزمن،
(3) تداخل المستويات اللغوية الأربعة،
(4) التكرار بوصفه بنية موشحية مكسورة.
قبل ذلك، لا بد من تحليل عتبة العنوان بوصفها المفتاح الدلالي الأول للنص.
سخرية الإعلان في زمن الاحتلال
يفتتح سعدي يوسف نصه بمفارقة لغوية قاتلة:
“إعلان سياحي”: يستدعي هذا التركيب، بحكم اقترانه اللغوي المألوف، صور منتجعات خضراء وجبال ساحرة تدعو الزائر إلى الاستجمام. غير أن الهامش الذي وضعه الشاعر أسفل العنوان يفجّر هذه البراءة اللفظية دفعة واحدة:
“حاج عمران” منطقة في كردستان العراق احتلتها القوات الإيرانية مؤخرًا.”
بهذه الجملة التوثيقية الجافة يتحول العنوان من دعوة إلى استجمام إلى سخرية سوداء قاسية. المكان الذي يُفترض أن يُعلَن عنه كمقصد سياحي هو في الحقيقة أرض محتلة، وساحة حرب ترتعش في حضرة الموت. هذه الحيلة الأسلوبية، تغليف مفردات البراءة كالإعلان والسياحة بمضامين العنف والاحتلال، تتكرر بأشكال متعددة طوال القصيدة، وتُعد من أخطر أدوات سعدي الساخرة، إذ تُترك اللغة الرسمية والإعلامية لتفضح نفسها بنفسها حين توضع في سياق مأساوي صريح.
تتسع هذه المفارقة حين يتجاوز مجال القصيدة حاج عمران إلى العراق بمدنه ومناطقه وذاكرته الحضارية بأسرها. يحدد العنوان نقطة انطلاق ضيقة، بينما يُظهر المتن اتساع الجرح، إذ تتصل القضية بمصير وطن كامل تتنازعه القوى، وتتراكم في أرضه آثار حروب متعاقبة لا تكف عن التكرار.. هكذا يؤدي العنوان وظيفة بنائية ودلالية معًا: يستدرج القارئ إلى توقع بعينه، ثم يضعه أمام تجربة تصدم ذلك التوقع، فيغدو فعل القراءة نفسه انتقالًا من صورة المكان المتخيلة إلى حقيقته المأزومة.
بنية الجرح في علامة ترقيم
أبرز الخصائص الأسلوبية لهذه القصيدة استخدام القوسين ( ). والسؤال هل هي دلالات على احتواء “مقاطع نثرية توثيقية” من اجل إحداث توترًا شعريًة؟ قد يبدو هذا صحيحًا، لكنه لا يكفي. الأهم هو وظيفة القوسين البصرية والدلالية معًا.
لاحظ كيف يستخدم الشاعر القوسين في نص القصيدة:
)كان المقتدرْ
كلما شاغبه العامةُ
أعطى جندَه الأموالَ
حتى أكلوه(
القوسان هنا يحيطان مقطع كامل، لكنهما لا يُغلقان بشكل متماثل. الجملة تنتهي بثلاث نقاط بعد إغلاق القوس، وكأن المقطع، ينزلق خارج احتوائه. هذا ليس اختيارًا عابرًا: القوسان في الكتابة الوظيفية يرمزان إلى “معلومة إضافية” أو “استطراد ثانوي”. لكن الشاعر يضع بينهما العمود الفقري التاريخي للقصيدة
“مقتل المقتدر، ثورة العامة، تفاصيل النهب والضرب“.
النتيجة: القوسان لم يعودا علامة ترقيم محايدة، بل أصبحا، قفصًا بصريًا، يحبس التاريخ داخله. المفارقة أن التاريخ، بحكم طبيعته المتفلتة، يرفض الاحتواء، فينزلق خارج القوس عبر النقاط الثلاث. هذا هو، الجرح النحوي: التاريخ لا يُغلق، والقصيدة تعرف ذلك.
يتأكد هذا الاستخدام في المقطع الطويل الذي يوثق ثورة العامة في بغداد سنة 320 هـ، حيث يمتد القوس على مساحة نصية كبيرة، ثم يُغلق بصعوبة، وكأن الشاعر يحاول احتواء تاريخ من الفوضى والدم، فيفلت منه التاريخ في اللحظة الأخيرة. القوسان هنا ليسا مجرد حاوييّن، بل جسد نحوي للجرح: مفتوحان على التاريخ، عاجزان عن إغلاقه.
الفعل النحوي “يأتي” بوصفها آلية للزمن
الماضي يصبح حاضرًا في “يأتي” بصيغة المضارع.
“يأتي المقدونيون
تأتي قامةُ الإسكندرِ المُثلى
ويأتي الروس
يأتي البارازانيون
يأتي الإنجليزيّ
وتأتي طبقاتُ الأرض
يأتي الشاه
يأتي مدفعيونَ وضباطُ صواريخٍ.
ويأتي جنرالٌ من وراءِ البحرِ
تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها..”
لنلاحظ البنية: كل جملة تبدأ بـ (“يأتي” أو “تأتي”)، ثم فاعل مختلف. هذا توازٍ نحوي صارم، وفي علم الأسلوب يُسمى “التوازي النحوي”ووظيفته هنا ليست جمالية فقط، بل، إدراكية.. التوازي يخلق وعيًا بأن كل هؤلاء الغزاة، رغم اختلاف أسمائهم وأزمنتهم، يشغلون الخانة النحوية ذاتها.