نبيل عبد الأمير الربيعي
في رحاب مهرجان بابل للثقافات العالمية الثالث عشر، تشرفت بتقديم الأمسية الثقافية المخصصة للاحتفاء بمئوية الإبداع العراقي واستذكار العلامة الموسوعي الدكتور حسين علي محفوظ (1926–2009)، أحد أبرز أعلام الفكر والمعرفة والتراث في العراق، بمشاركة الأستاذ عبد الكريم الدباغ، والشاعرة نجاة عبد الله، ونجله الدكتور علي حسين علي محفوظ، الذين استعرضوا جوانب مضيئة من سيرته العلمية والفكرية والإنسانية.

لم تكن الأمسية مجرد استذكار لشخصية علمية بارزة، بل كانت احتفاءً بعراق المعرفة، واستعادةً لجهود عالم كرس حياته للبحث والتأليف والتحقيق، وأسهم في صيانة التراث العربي والإسلامي وتعزيز التواصل بين الثقافات والحضارات.
وُلد حسين علي محفوظ في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1926، ونشأ في بيئة علمية أسهمت في تشكيل شخصيته الموسوعية. تخرج في دار المعلمين العالية عام 1948 بدرجة الامتياز والأولية، ونال الدكتوراه في الآداب عام 1955، ثم واصل مسيرته الأكاديمية والبحثية، وأسهم في تأسيس قسم الدراسات الشرقية في كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1969، فضلاً عن حضوره العلمي في مؤسسات وجامعات عربية ودولية.
اتسم منجزه بتنوع استثنائي، إذ كتب في اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والفقه والحديث والتراجم والأنساب، واهتم بالمخطوطات والمصطلحات والتراث الحضاري. وتشير الفهارس والدراسات التي تناولت أعماله إلى أن نتاجه تجاوز 1500 مادة بين كتاب وبحث ورسالة ومقالة وقصيدة ودراسة، ليغدو بحق موسوعة معرفية أسهمت في إثراء المكتبة العربية.
ومن أبرز أعماله كتاب (المتنبي وسعدي)، الذي عكس اهتمامه بالأدب المقارن والصلات الثقافية بين العربية والفارسية. كما أولى علم المخطوطات عناية خاصة، وعمل على ضبط مصطلحاته وفهرسة مصادره، وطرح مشروع (نظرية التأصيل) في التراث العربي والإسلامي، مؤمناً بأن صيانة الموروث تبدأ من دراسته علمياً وتحقيق مصادره.
لم تكن بغداد بالنسبة إليه مجرد مدينة، بل كانت هوية وذاكرة ووجداناً. فقد تتبع تاريخها وأسماءها ومعالمها، واستحضر مكانتها الحضارية في كتاباته، وظل ارتباطه بها تعبيراً عن إيمانه بأن العراق يمتلك رصيداً تاريخياً وثقافياً قادراً على إلهام الأجيال وصناعة المستقبل. وقد عُرف محفوظ بألقاب متعددة، من بينها (العلامة الموسوعة) و(أستاذ المستشرقين)، غير أن لقب (شيخ بغداد) ظل الأقرب إلى نفسه، لما يحمله من دلالة على ارتباطه العميق بمدينته وتراثها. ولم تنفصل مكانته العلمية عن أخلاقه؛ فقد استعاد الأستاذ عبد الكريم الدباغ في شهادته مواقف من وفائه لأساتذته وحرصه على احترامهم، مؤكداً أن عظمة العالم لا تكمن في غزارة علمه وحدها، بل في تواضعه ومروءته وأخلاقه.
كما حضرت في فكره قيم الحوار والتقارب الإنساني، وإيمانه بأن المعرفة وسيلة للتفاهم بين الثقافات، وأن التراث ليس ماضياً مغلقاً، بل طاقة معرفية متجددة يمكن أن تسهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.
إن تخصيص هذه الأمسية لاستذكار حسين علي محفوظ في مهرجان بابل يمثل خطوة مهمة في إعادة الاعتبار إلى أعلام العراق وقاماته الفكرية. فالمهرجانات الثقافية لا تُقاس بقوة برامجها واتساع فعالياتها وحدهما، بل بما تمنحه للمعرفة من مكانة، وبما تقدمه للأجيال الجديدة من فرص للتعرف إلى رموزها العلمية والإبداعية.
من هنا، فإن الوفاء الحقيقي لمحفوظ لا يقتصر على استذكار سيرته، بل يتطلب مواصلة العمل على جمع آثاره، وفهرسة مؤلفاته، وتحقيق مخطوطاته، وإتاحة منجزه للباحثين والطلبة، ليبقى حاضراً في الحياة الثقافية العراقية.
وفي ختام هذه الأمسية، أتقدم بالشكر إلى القائمين على مهرجان بابل للثقافات العالمية الثالث عشر، وإلى المشاركين الذين أسهموا بشهاداتهم ومداخلاتهم في إضاءة جوانب من حياة هذا العلم العراقي الكبير.
رحم الله العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، شيخ بغداد وحارس ذاكرتها الحضارية، الذي أثبتت مسيرته أن العلم الحقيقي لا ينتهي برحيل صاحبه، بل يظل حياً بما يتركه من أثر في العقول والوجدان.