الأديان والسلام: المستقبل يبدأ هنا!

الكاردينال لويس ساكو

في هذه المرحلة المصيرية التي يَمرّ بها عالمُنا، وبالأخص، شرقُنا، في ظلّ تصاعد العنف والصراعات، نحن أحوج ما نكون إلى السلام والتضامن، صَونًا لاوطانِنا، وحفاظًا على وجودنا، وبناءً لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا .
وُلدت الأديان الإبراهيمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، في هذا الشرق، أرض الحضارات ومهد الرسالات، ومنه انتشرت إلى العالم. وللأديان رسالة إنسانية وروحية وأخلاقية وثقافية عظيمة، ويُمكنها أن تؤدي دورًا مؤثرًا في ترسيخ القيم النبيلة، وإشاعة المحبة والرحمة والتسامح وروح الأخوّة بين الناس والتعايش، على اختلاف أديانهم وثقافاتهم وانتماءاتهم. لذلك، لا يجوز اختزال الدين في مجموعة من القوانين والطقوس والشعائر، و إغفال رسالته الأساسية في تهذيب الضمير، وتحرير الإنسان من الأنانية والتعصّب والفساد. فالحروب التي تُشنّ باسم الدين وصمةُ عارٍ على جبين السلطات الدينية التي تدعو إليها أو تبرّرها، لا على جبين الدين نفسه، فالله لا يحتاج الى أحزاب تحمل اسمه، انما الى مؤمنين يسلكون وفق مشئته، ويحولون الأرض الى جنة.
ورجل الدين، بصفته راعيًا، يحمل رسالة روحية وإنسانية ووطنية. وعليه أن يؤديها بأمانة، وبروح الحنان والرحمة. فهو معنيّ بالشأن العام، وبهموم الناس وآمالهم وتطلعاتهم. ومن واجبه أن يُسهم في خدمتهم، ويدافع عن حقوقهم، يُنادي بوقف الحروب وحلّ النزاعات بالوسائل السلمية والدبلوماسية، وإشاعة ثقافة السلام، من دون أن يُخضع رسالتَه الدينيَّة لمصالحٍ شخصيّة أو حزبيّة، أو لحسابات سياسية ضيّقة.
فالإيمان الصادق لا يُضيّق أفق الإنسان، بل يُحرّر قلبه من التطرف والكراهية والعنف، ويَفتحه على الآخر، ويَمنحه الطمأنينة والرجاء في مواجهة تحديات الحياة. وتلتقي هذه الرؤية عند مبدأ إنساني عميق: “أحِبَّ لأخيك ما تُحبّه لنفسك”.
السلام لا يُبنى بالكلمات والشعارات وحدَها، بل بإرادة صادقة تُترجَم إلى حوار وتفهّم للاختلاف، وسعي إلى تجاوز الخلافات، وجعل المحبةِ لغةً للتواصل، والعدالةِ أساسًا للعلاقات، وكرامةِ الإنسان معيارًا لكل موقف وقرار. فالسلام ليس مجرّد غيابٍ للحروب، بل هو صونٌ للعدل والمساواة، وتكافؤ للفرص، وشعور بالأمان والانتماء.
لنجعل من أدياننا جسورًا للتلاقي، لا حواجزَ للتباعد؛ ومن إيماننا منبعًا للمحبة، لا ذريعةً للانقسام؛ ومن رسالتِنا دعوةً إلى المصالحة، لا مبرّرًا للانتقام. فحين نزرع السلام في قلوبنا، ونترجمه الى أفعال، نجعل من أدياننا جسورًا للتلاقي، لا حواجزَ للتباعد؛ ومن إيمانِنا منبعًا للاخوة، لا ذريعةً للانقسام؛ ودعوةً إلى المصالحة، لا مبرّرًا للانتقام. بهذه المواقف وألافعال نتشبّه بالله، الذي هو محبة ورحمة، ونعكس صورته في تعاملنا مع الآخرين ونضع حجر الأساس لعالم أكثر إنسانيةً وأمانًا، يستطيع فيه الجميع أن يعيشوا معًا بكرامة وحرية وفرح، مهما اختلفت معتقداتهم وانتماءاتهم.
وفي هذا السياق، يصدح الإنجيل بنشيد الميلاد، معلنًا بشارة السلام للبشرية: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة” (لوقا 2/ 14). فالسلام، في الرؤية المسيحية، ليس مجرّد أمنية جميلة، بل هو دعوة إلهية ومسؤولية إنسانية وأخلاقية. فحين نعمل من أجل السلام، نمجّد الله بأعمالنا، ونُسهم في جعل أرضِنا مكانًا صالحًا للحياة، يجد فيه الإنسان أسباب العيش المشترك المتناغم.
هذا هو الرجاء الذي ينبغي أن نتطلّع إليه، والمستقبل الذي يجدر بنا أن نعمل من أجله: مستقبل تتحرّر فيه البشرية من الصراعات والحروب التي تُحرق الأرض، وتَحصد أرواح البشر، وتزرع الكراهية والخوف في النفوس؛ مستقبل يقوم على احترام الإنسان، وقبول الاختلاف، والتعاون من أجل الخير العام. مستقبلٌ لا يتحقّق إلا حين يختار المؤمنون أن يكونوا أبناء النور، ويسيروا في نور الحقّ والمحبة والرحمة، ويشهدوا لإيمانهم بأعمال السلام. ومن هنا، فإنّ ما نزرعه بأيدينا اليوم، إيّاه سنحصد غدًا.
يا ربَّ السلام، امنح عالمنا السلام، وألهمنا أن نكون صانعي سلام، لا دعاة انقسام، وشهودًا للمحبة، لا أدواتٍ للكراهية.

قد يعجبك ايضا
∧