العراق بين التقشّف وتضخّم المناصب… الشعب يدفع الثمن والمسؤولون يتقاسمون الكراسي!

عرفان الداوودي

إذا كانت خزينة الدولة تعاني من شحّ الأموال، فلماذا التوجّه نحو استحداث المناصب والوزارات؟الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

إلى متى يبقى الشعب العراقي أسير الأزمات المالية والقرارات التي تزيد الأعباء على كاهله، فيما تتحول المناصب العليا إلى محور الصفقات والتفاهمات السياسية؟ وإلى متى يطالب المواطن بالصبر والتقشّف، بينما تتواصل النقاشات بشأن توسيع التشكيلة الحكومية وإضافة مناصب جديدة؟

اليوم، يحق للمواطن العراقي أن يطرح سؤالاً واضحاً ومشروعاً على الحكومة ومجلس النواب: إذا كانت الدولة تتحدث عن ضائقة مالية وشحّ في السيولة، فلماذا يجري التداول بإنشاء أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء واستحداث ثلاث وزارات إضافية؟

فقد تناولت تقارير صحفية في تشرين الأول 2026 مقترحات تتعلق بأربعة نواب لرئيس الوزراء، إلى جانب الحديث عن استحداث وزارات جديدة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية وتناقش إجراءات تقشّفية. وهذه المقترحات، بحسب ما نُشر، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قرارات نهائية محسومة، بل تستوجب توضيحاً رسمياً بشأن مصيرها وكلفتها ومبرراتها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل الأولوية اليوم لتوسيع هيكل السلطة، أم لتخفيف الأعباء عن المواطن وإصلاح مؤسسات الدولة؟

الشعب يطالب بتقليص الامتيازات لا بتكثير المناصب

المواطن العراقي لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد دولة تحترم معاناته، وتدير المال العام بمسؤولية، وتضع احتياجاته قبل المصالح الحزبية والسياسية.

الشعب يريد مراجعة أعداد المجالس والهيئات التي يمكن دمجها أو إلغاؤها، والاستغناء عن المستشارين الذين لا تثبت الحاجة الفعلية إلى خدماتهم، وتقليص النفقات الإدارية والحمايات والمواكب والامتيازات، فضلاً عن تخفيض رواتب وامتيازات الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب وكبار المسؤولين، وفق معايير قانونية عادلة وواضحة.

كما يريد المواطن مراجعة الرواتب التقاعدية والامتيازات الاستثنائية للمسؤولين، وربط الإنفاق العام بالنتائج الفعلية، لا بعدد المناصب والعناوين الوظيفية.

فليس من المنطق أن يُطلب من الموظف والمتقاعد وذوي الدخل المحدود تحمّل أعباء الأزمات، بينما لا تُطرح أمام الرأي العام مراجعة شاملة وجادة لكلفة إدارة الدولة ومؤسساتها العليا.

أين العدالة بين المسؤول والمواطن؟

تخيّلوا حال المواطن الذي ينتظر راتبه، أو الموظف الذي يخشى تأخر مستحقاته، أو المتقاعد الذي يحاول تأمين الدواء والغذاء والإيجار، أو العائلة التي تعجز عن تلبية احتياجات أطفالها.

هؤلاء لا يملكون وزارات ولا مكاتب استشارية ولا امتيازات خاصة. كل ما يملكونه هو الأمل بأن تكون دولتهم عادلة، وأن يشعر المسؤول بمعاناتهم قبل أن يطالبهم بالصبر والتضحية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو اتساع الفجوة بين حياة أصحاب القرار وحياة الناس. فحين يرى المواطن أن التقشّف يُطرح عليه باستمرار، بينما تتضخم النقاشات حول المناصب والامتيازات، تتراجع ثقته بالمؤسسات ويزداد شعوره بالغبن.

الوطنية ليست شعاراً يُرفع أمام الكاميرات، بل مسؤولية تبدأ بالتضحية والقدوة وحماية المال العام.

إلى رئيس الوزراء والبرلمان: من أين ستأتي الأموال؟

السؤال موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، وإلى رئيس مجلس النواب وأعضاء المجلس جميعاً:

إذا كانت الموارد المالية لا تكفي لتلبية الالتزامات والخدمات بالشكل المطلوب، فما المبرر الاقتصادي والإداري لإضافة مناصب عليا ووزارات جديدة؟ وما الكلفة السنوية لهذه المناصب من رواتب ومكاتب ومستشارين وحمايات ومخصصات؟ وما الفائدة المباشرة التي سيجنيها المواطن منها؟

وإذا كانت هناك ضرورة حقيقية لاستحداث وزارة أو منصب، فعلى الحكومة أن تقدم دراسة واضحة تبين الحاجة إليه، والكلفة المترتبة عليه، والنتائج المنتظرة منه، بدلاً من ترك المواطنين أمام أخبار متداولة وتفاهمات سياسية لا يعرفون تفاصيلها.

إن مجلس النواب ليس مجرد جهة تمنح الموافقات، بل هو مؤسسة دستورية يفترض أن تمارس الرقابة، وتحاسب الحكومة، وتدافع عن مصالح المواطنين، وتضمن أن تكون أموال الدولة مخصصة للأولويات الحقيقية.

ألغوا الترهل الإداري قبل أن تطلبوا التضحية من الفقراء

نطالب بمراجعة شاملة للمؤسسات والمجالس والهيئات، وإلغاء ما يثبت عدم الحاجة إليه أو دمجه، وتقليص المستشارين والمناصب غير الضرورية، وإعادة النظر في رواتب وامتيازات الدرجات العليا وفق القانون، مع حماية رواتب الموظفين والمتقاعدين وحقوق الفئات الأكثر ضعفاً.

ونطالب أيضاً بنشر الكلف المالية لأي توسع حكومي مقترح، وإخضاعها للرقابة البرلمانية والمالية، وإعلان نتائج ملموسة في ملفات الخدمات والكهرباء والصحة والتعليم وفرص العمل ومكافحة الفساد.

فالعراق ليس فقيراً بالموارد البشرية والطبيعية، لكن إدارة الموارد ومحاسبة المقصرين وترتيب الأولويات هي الاختبار الحقيقي لأي حكومة تدّعي الإصلاح.

خريجون يتظاهرون طلباً للتعيين… وحكومة تبحث عن مناصب جديدة!

ومن أكثر المشاهد إيلاماً في العراق، أن نرى خريجين قضوا سنوات من أعمارهم في الدراسة والتحصيل العلمي، يخرجون منذ أشهر في مظاهرات متواصلة، مطالبين بحقهم في التعيين وفرصة العيش الكريم، من دون أن يجدوا حلولاً واضحة تنهي معاناتهم.

هؤلاء الشباب لم يطلبوا امتيازات خاصة، بل يريدون فرصة لخدمة بلدهم والاستفادة من شهاداتهم العلمية. حتى العمل بصفة محاضرين مجاناً، الذي يلجأ إليه بعض الخريجين أملاً في خدمة المؤسسات التعليمية وكسب الخبرة، لم يعد متاحاً أو مضموناً للجميع.

أي مفارقة هذه؟ خريج ينتظر التعيين أشهراً وسنوات، وشاب يحمل شهادة علمية يقف في الشارع مطالباً بفرصة عمل، بينما يجري الحديث عن استحداث مناصب عليا ووزارات جديدة، وما قد يترتب عليها من نفقات إضافية!

أليس من الأولى توجيه الموارد المتاحة نحو تشغيل الشباب، ودعم المدارس والمستشفيات، وسد النقص في الكوادر، ووضع خطة وطنية شفافة للتعيينات وفق الحاجة والاستحقاق؟

إن الخريجين ليسوا عبئاً على الدولة، بل ثروة بشرية ينبغي استثمارها. ومن حقهم أن يعرفوا حقيقة فرص التعيين، وأسباب تأخرها، والدرجات الوظيفية المتاحة، والآليات التي تضمن العدالة وتكافؤ الفرص بعيداً عن المحسوبية والتمييز.

يا حكومة العراق، قبل أن تفكروا في زيادة المناصب، فكروا في مستقبل الشباب. وقبل أن تستحدثوا الوزارات، ابحثوا عن حلول للخريجين الذين ينتظرون فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتمنحهم الأمل بمستقبل أفضل.

فالدولة التي تعجز عن توفير فرص العمل لأبنائها، مطالبة بمراجعة أولوياتها، لا بتوسيع نفقاتها الإدارية من دون بيان الحاجة والجدوى.

إن كرامة الخريج العراقي ومستقبل الشباب يجب أن يكونا في مقدمة أولويات الحكومة والبرلمان، لا ملفاً مؤجلاً من موسم احتجاج إلى آخر

كلمة أخيرة

إلى الحكومة والبرلمان: لا تجعلوا المواطن الحلقة الأضعف في كل أزمة، ولا تطلبوا منه أن يتحمل وحده نتائج القرارات التي لم يشارك في صنعها.

الشعب لا يريد المزيد من الكراسي بقدر ما يريد المزيد من الخدمات، ولا يريد المزيد من المستشارين بقدر ما يريد مستشفيات ومدارس وفرص عمل، ولا يريد وعوداً جديدة بقدر ما يريد أن يرى أمواله تُنفق في مكانها الصحيح.

إذا كنتم تتحدثون عن التقشّف، فابدؤوا بأنفسكم. وإذا كنتم تتحدثون عن الإصلاح، فقلّصوا الامتيازات قبل المساس بحقوق الناس. وإذا كنتم تؤمنون بأن العراق فوق الجميع، فاجعلوا مصلحة المواطن فوق المصالح الحزبية والشخصية.

فالشعب الذي صبر طويلاً يستحق أن يرى دولة عادلة، لا دولة تتسع فيها المناصب بينما تضيق فيها سبل العيش.

العراق للعراقيين… والمال العام أمانة في أعناق المسؤولين، وليس غنيمة لتقاسم المناصب .

قد يعجبك ايضا
∧