احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية،(محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

الجزء الثالث والخمسون

تعييني سفيراً للعراق في براغ

بعد مضي اسبوعين على تعييني سفيرا في ديوان وزارة الخارجية، التقيت في حفلة أحدى السفارات بالفريق سعدون غيـدان وزير الداخلية (حل محل صالح مهدي عماش الذي اصبح نائباً لرئيس الجمهورية) وأبدى سروره بتعييني وقال: بأنه في النية ارسالي الى جيكوسلوفاكيا كسفير للعراق في براغ، وأخذ يمتدح ذلك البلد وتلك المدينة فقد زارها قبلاً، ولم أكن قد زرت البلد المذكور قبلاً ولما أخبرته بوجود السيد اسماعيل العارف كسفير هناك، أجابني بأنه سوف يحال على التقاعد، وأنتظرت مرة أخرى ولم آخذ الكلام محمل الجد، الى أن قابلت وزير الخارجية كريم الشيخلي فسألني عن رأيي في تعييني سفيراً للعراق في براغ فأيدت الفكرة، وبعد حوالي أسبوع زرت مدير الذاتية في الوزارة فأخبرني بصدور قرار نقل اسماعيل العارف الى ديوان الوزارة، وأن أسمي قد قدم الى الحكومة الجيكوسلوفاكية كسفير جديد للحصول على موافقتها حسب الاصول الدبلوماسية. بعد حوالي الشهر التقيت في أحدى المناسبات بالسفير الجيكوسلوفاكي في بغداد الدكتور (هروزا)، الذي أخبرني بأن الموافقة الاصولية قد وردت من وزارة الخارجية الجيكوسلوفاكية وسألني عن موعد السفر واستـلام السفارة، وعن الموعد الذي اختاره لأقامة حفلة الاستقبال التي جرت العادة على اقـامتها تكريماً لأي سفير جديد من قبل سفير تلك الدولة التى قد انتدب اليها، فشكرته وقلت بأني لست على عجل فهناك المؤتمر الثامن للحزب الذي يعقد قريباً وعلي حضوره وكذلك لفسح المجال أمام السفير السابق اسماعيل العارف لأكمال عمله، وعلى كل فقد حددنا موعد اقامة الحفل في شهر تموز اي بعـد الانتهاء من أعمال المؤتمر، وقد أصبح السفير (هروزا) فيما بعد وكيلاً لوزارة الخارجية الجيكوسلوفاكية، وتعمقت الصداقة بينا واستمرت تلك الصداقة حتى بعد نقلي من براغ.

 

 

“تقرر عقد المؤتمر الثامن في 1/7/1970، أي بعد مضي اقل من أربعة أشهر على اتفاقية آذار، وانسجاماً مع الجو السلمي الذي عم كوردستان بعد الاتفاقية والتقارب الحاصل بين الحزب من جهة والسلطة المركزية وحزب البـعث العربي الاشتراكي من جهة أخرى، فقد سمي المؤتمر ﺑ(مؤتمر السلام والوحدة الوطنية) وعقد تحت هذا الشعار، في قرية ناوبردان وحضره ما يقرب من خمسمائة مندوب حزبي يمثلون مختلف التنظيمات الحزبية، ومختلف الفئات وحضر جلساته رئيس الحزب الزعيم الراحل مصطفى البارزاني القى كلمة مطولة، رحب بالحاضرين واشاد فيها بأتفاقية 11آذار”

 

المؤتمر الثامن للحزب

كان قد مضى ما يقارب الاربع سنوات على عقد المؤتمر السابع للحزب، لذا إتجه التفكيرالى عقد المؤتمر الثامن نظراً لمرور تلك المدة ونظراً للظروف المستجدة بعد اتفاقية آذار، وكانت تلك المدة هي التي تفصل عادة مؤتمرين عن بعضهما تقريباً، لذا تقرر عقد هذا المؤتمر في 1/7/1970، أي بعد مضي اقل من أربعة أشهر على اتفاقية آذار، وانسجاماً مع الجو السلمي الذي عم كوردستان بعد الاتفاقية والتقارب الحاصل بين الحزب من جهة والسلطة المركزية وحزب البـعث العربي الاشتراكي من جهة أخرى، فقد سمي المؤتمر ﺑ(مؤتمر السلام والوحدة الوطنية) وعقد تحت هذا الشعار، عقد المؤتمر في قرية ناوبردان وحضره ما يقرب من خمسمائة مندوب حزبي يمثلون مختلف التنظيمات الحزبية، ومختلف الفئات وحضر جلساته رئيس الحزب الزعيم الراحل مصطفى البارزاني القى كلمة مطولة، رحب بالحاضرين واشاد فيها بالأتفاقية الجديدة، وطلب العمل والـتعاون لتنفيذها ونسيان سلبيات الماضي وغـيرها من النصائح، وقد حضر المؤتمر وفود كثيرة من داخل العراق وخارجه ووفود من بعض الاحزاب الكوردستانية الحليفة، وقد حضر حزب البعث بوفد كبير على مستوى رفيع رأسه أحد أعضاء القيادة القومية وكان سودانياً أسمه محمد سليمان وسمير عبدالعزيز النجم وغيرهما من البعثيين البارزين، وكذلك حضر وفد كبير عن الحزب الشيوعي العراقى الذي انتقد في كلمته موقف البعث والنظام من معاملة الشيوعيين، وحضر كذلك ممثلون عن الحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية، وممثلون عن الكورد المقيمين في لبنان وعن منظمات الحزب وجمعية الطلبة الكورد في اوروبا والولايات المتحدة، وكذلك الشخصية الكوردية المعروفة (الدكتور كاميران بدرخان والسيدة عقيلته) اضافة الى عـدد كبير من قادة البيشمه ركه والشخصيات الاخرى. استمر المؤتمر عدة أيام تليت خلالها التقارير الحزبية عن الاعمال السابقة ومنهج المستقبل، وأجري التعديل على منهاج الحزب حسب التطورات الاخيرة، وأنتخب المؤتمر لجنة مركزية جديدة مكونة من أكثر أعضاء اللجنة المركزية السابقة مضافاً اليها الاخوان ادريس ومسعود البارزاني وبعض قادة البيشمه ركه وشـخصـيات أخرى جديدة كما جرى منح الثقة بالمكتب السياسي السابق هكذا انتهى اعمال المؤتمر الثامن. قبل عقد المؤتمر بأيام قليلة دار الحديث حول الترشيح لعضوية اللجنة المركزية، وضرورة كون كل من يشغل المناصب العليا أن يكون في صفوف تنظيـمـات الحزب. ذهبت لمقابلة البارزاني واستفسرت منه فيما اذا كان ذلك هو رغبته، فأبدى رأيه في ذلك وقال بأنه لايفرق بين كل من يقوم بخدمة شعبه بأخلاص، سواء كان من ضمن تنظيمات الحزب أو خارجه وان المقياس الحقيقي هو خدمة الشعب وأن الانضمام الى تنظيمات الحزب هو أحد الوسائل لأداء تلك الخدمات ، فقررت عدم الانضمام بصورة رسـمية الى هذه التنظيمات، ولازال ولغاية اليوم يطرح هذا التساؤل هل كوني حزبياً أم لا؟ وأقول بصراحة اذا كانت الحزبية تعني الانضمام الى أحدى الخلايا والمنظمات واللجان المحلية -أي على الطريقة الكلاسيكية القديمة- فأني قد أجتزت هذه المرحلة منذ عقود طويلة ولست بحاجة اليها، ولكني أوجه أنا سؤالأ الى القـاريء الكريم، اذ ماذا يعني اشتراكي في ثورة شعب وأنضمامي الى صفوفها والعـمل فيها لأربعين عاماً، وأن تلك الثورة يقودها الحزب الديقراطي الكوردستاني وشخص رئيسه مصطفى البارزاني وبعد رحيله رئيسه مسعود البارزاني؟ وكذلك العمل كل هذه المدة الطويلة في صفوفها وقيادتها التى هي قيادة الحزب، اذا لم يكن كل ذلك هو قبولاً بالحزب وقيادته فما هي الحزبية اذن؟!! إنني مؤمن بالحزب إيماناً كاملاً وعملت تحت قيادة رئيسه كل هذه المدة الطويلة التي لابد وأن تصدر عن قناعة كاملة.

 

“بينما كنت جالساً مع البارزاني في تلك الدار وعلى مقعد بـجواره، شاهدت موقفاً يدل على كرم البارزاني وتواضعه وحرصه على تقديم يد المساعدة لكل من يحتاجها ودليل على درجة عفوه عند القدرة، كان الوقت قبل غروب الشمس، فرأينا خارج الدار شيخاً مسناً يرتدي الملابس العربية ومعه امرأة عـجوز كانت ترتدي الزي الريفي العربي، فأمر البارزاني فوراً بأحضار الرجل وايـصال المرأة الى الحريم،. وبعد ان رحب به البارزاني قال: انا والد عبدالعزيز العقيلي وهو ولدي الوحيد والآن هو رهن الاعتقال ومحكوم عليه بالأعدام فجئت راجياً مساعـدتي وانقاذ حياته، هدأه البارزاني وطلب منه تناول الشاي وقال: أن العقيلي كان من أشد المناوئين للثورة الكوردية ، ولكن الآن مادمت في محنة ومادام هو في هذا الموقف فسأبذل كل مايمكنني من الجهود لأنقاذ حياته فأرجو أن تطمئن، وسأرسل غداً ولدي ادريس الى بغداد مع رسالة شخصية الى رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر لهذا الغرض”

 

سفري الى براغ كسفير جديد للعراق

بعد انتهاء المؤتمر ببضعة أيام اقام سفير جيكوسلفاكيا في بغداد حفلة استقبال لي في دار السفارة في حي العلوية ببغداد، وقد حضرها جمع غفير من الكورد يتقدمهم ادريس البارزاني، الذي كان متواجداً في بغداد وجميع الوزراء الكورد والحزبيون والشخصيات الاخرى اضافة الى جميع السفراء والدبلوماسيون المقيمون في بغداد، كان ذلك في حوالي النصف الثاني، من شهر تموز سنة 1970 ،وقد تعرف السيد ادريس البارزاني على عدد كبير من الدبلوماسيين ومندوبي السفارات الاخرى حيث كان موضع حفاوة وترحيب الجميع. بعد ذلك الحفل أخذت بالتهيؤ للسفر وحددت موعداً لذلك في الاسبوع الثاني من شهر  من تلك السنة، ذهبت لزيارة البـارزاني للإستئذان منه بالسفر في أواخر تموز وكان الاخ ادريس قد عاد من بغداد، وأجتمعت به في حاج عمران في أحدى الدور التي كانت قد شيـدت خلال فـترة الهـدنة سنة 1967, كانت داراً متواضعة، ولكنها تعتبر مناسبة بالنسبة للدور الاخرى التي اعتاد الجميع على الاقامة فيها ايام القتال. وقد كنت امتلك بندقية كلاشينكوف شـخصية كـانت من أنظف وأجـمل البنادق الموجودة في الثورة -سبق وأن أشرت اليها- وقد قدمتها للبارزاني ليتصرف بها كيفما يشاء، وكـذلك كانت بحوزتي سيارة (لاندروفرستيشن) هي ملك الثورة فأعدتها للقيادة، وبينما كنت جالساً مع البارزاني في تلك الدار وعلى مقعد بـجواره، شاهدت موقفاً يدل على كرم البارزاني وتواضعه وحرصه على تقديم يد المساعدة لكل من يحتاجها ودليل على درجة عفوه عند القدرة، كان الوقت قبل غروب الشمس ونحن قبالة الباب الخارجي للدار في جلوسنا، فرأينا خارج الدار شيخاً مسناً يرتدي الملابس العربية ومعه امرأة عـجوز كانت ترتدي الزي الريفي العربي، فأمر البارزاني فوراً بأحضار الرجل وايـصال المرأة الى الحريم، وحضر الرجل وكان يمشي بصعوبة فأخليت له مقعدي وجلس جنب البارزاني وكانت يداه ترتجفان ولا ادري ان كان ذلك بسبب مرض أو شيخوخة أو بسبب ارتباكه. وبعد ان رحب به البارزاني واشعل له سيجارة قدم له الشاي وقبل تناوله إياه وجه كلامه للبارزاني و قال: انا والد عبدالعزيز العقيلي وهو ولدي الوحيد والآن هو رهن الاعتقال ومحكوم عليه بالأعدام فجئت راجياً مساعـدتي وانقاذ حياته، هدأه البارزاني وطلب منه تناول الشاي وقال: أن العقيلي كان من أشد المناوئين للثورة الكوردية ومن الد أعداء الشعب الكوردي، كانت له دوماً مواقف متشددة ومعادية ولو قدر لنا لقائه عندما كان في الحكم لقتلناه ولكن الله لم يوفقنا، ولكن الآن مادمت في محنة ومادام هو في هذا الموقف فسأبذل كل مايمكنني من الجهود لأنقاذ حياته فأرجو أن تطمئن، وسأرسل غداً ولدي ادريس الى بغداد مع رسالة شخصية الى رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر لهذا الغرض، فشكره الرجل ودعا له بالعمر المديد والتوفيق. وكان البارزاني عند وعده فقد أرسل نجله ادريس الى بغداد مع الرسالة، وقابل البكر وأخذ منه وعداً بتخفيف العقوبة وبعد بضعة أيام صدر قرار تخفيض عقوبة الاعدام الى السجن لمدة عشر سنوات، وعلمنا أن العقيلي قد مات في السجن بعد سنوات، ولا ادري فيما اذا كانت الوفاة طبيعية أم أنه قد قتل في السجن -رحمه الله وسامحه.- استـأذنت بالسفر من البارزاني وأوصاني بالجدية في عملي الجديد كما تمنى لي الموفقية وقال لي: أرجو ان لاتنسى شعبك المظلوم، تركت البارزاني وقضـيت تلك الليلة في مقر المكتب السياسي وسافرت الى أربيل في اليـوم التالي، وبقيت فيها يومين أو ثلاثة وبعدها توجهت الى بغداد، وقابلت كل من الرئيس البكر ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين للأستئذان بالسفر، وقد زودت بأوراق الاعتماد وهى رسالة خاصة من رئيس الجـمهـورية العراقية موجهة الى الرئيس الجيكي، وفيها عبارات التخويل والتفويض كسفير معـتمد للعراق في براغ، وثم قابلت وزير الخارجية وفي اليوم العاشر من شهر آب (أغسطس) من سنة 1970غادرت بغداد متـوجها الى بيروت، يصحبني ولداي شيروان الذي كان يبلغ الخامسة عشر من عمره تقريباً، وبارزان الذي كان في الثانية عشر تقريباً. وفي اليوم الذي يسبق سفري وصل الى بغداد عدد كبير من اصدقائي ومعارفي وخاصـة من زملائي ورفاق دربي في الثورة الكوردية مـن افـراد البيشمه ركه وبصورة خاصة من قوات منطقة أربيل، يتقدمهم قائد تلك القوات البطل فارس باوه وأمراء أفواج تلك القوة الابطال من أمثال سيد كاكه وعثمان يوسف وسمكو علي ومحمد عزيز به ر به يار وغيرهم وكل اصدقائي الآخرين من أربيل وأطرافها وجاوز عددهم المائة شخص، وفي المساء اقيمت لي حفلة توديع شعبية كبرى من قبل هؤلاء الاصدقاء والاقـارب في حديقة فندق العراق الحديث في شارع السعدون، والذي كان يعود لصديقنا المرحوم (عبد متي) وكانت الحفلة رغم بساطتها ممتعة جداً تتميز بطابع الحب والمودة والصداقة الحقيقية. وفي اليوم التالي عند سفري رافقني ذلك الجمع الكبير الى مطار بغـداد لتوديعي، وكانت تظاهرة اندهش بسببها مودعي الرسميين من وزارة الخارجـية العراقية ومن ممثلي السفارة الجيكوسلوفاكية، وان ذلك من الذكريات العزيزة عندي.

 

قد يعجبك ايضا