عفت شهاب الدين
بعد وجبة دسمة أو يوم طويل مليء بالتوتر، قد نشعرأحياناً بأن المعدة ليست على ما يرام: انتفاخ، ثقل،تجشؤ أو شعور مزعج بالامتلاء حتى لو لم نتناولكمية كبيرة من الطعام. غالباً ما نصف كل هذهالأعراض بجملة واحدة: “عندي عسر هضم“.لكن ماهو عسر الهضم فعلياً؟ وهل يرتبط دائماً بنوعيةالطعام الذي تناولناه؟
ما هو عسر الهضم؟
عسر الهضم أو Dyspepsia ليس مرضاً بحد ذاته،بل هو مصطلح يُستخدم لوصف مجموعة منالأعراض التي تظهر عادةً في الجزء العلوي منالجهاز الهضمي. وقد يحدث بشكل عابر بعد تناولوجبة معينة، بينما يعاني منه بعض الأشخاصبصورة متكررة تؤثر في راحتهم وعلاقتهم بالطعام.
والأهم أن عسر الهضم لا يعني بالضرورة أن المعدةغير قادرة على “هضم الطعام” كما نعتقد أحياناً. فقد تكون وراءه أسباب مختلفة، وفي بعض الحالاتلا يظهر سبب عضوي واضح، وهنا قد نتحدث عمايسمى عسر الهضم الوظيفي.
كيف نعرف أننا نعاني من عسر الهضم؟
الأعراض ليست متشابهة لدى الجميع. قد يشعرشخص بالانتفاخ، بينما تكون المشكلة الأساسيةلدى شخص آخر هي الحرقة أو الامتلاء السريع.
من أكثر العلامات شيوعاً الشعور بالألم أو الانزعاجفي أعلى البطن، خصوصاً في المنطقة الواقعة بينأسفل عظمة الصدر والسرة. وقد يوصف هذاالشعور أحياناً على أنه ضغط أو ثقل أو حرقة.
هناك أيضاً الشبع المبكر. تبدأ بتناول وجبتك وتشعربعد كمية صغيرة جداً وكأنك انتهيت من وجبة كبيرة،وقد تجد صعوبة في إكمال طبقك المعتاد.
وفي حالات أخرى، يستطيع الشخص تناول الوجبةبشكل طبيعي، لكنه يبقى بعدها لفترة طويلة معشعور مزعج بالامتلاء والثقل.
الانتفاخ، الغثيان والتجشؤ المتكرر قد تكون أيضاًجزءاً من الصورة.
وقد تترافق الحالة أحياناً مع حرقة المعدة، ولكن منالمهم معرفة أن حرقة المعدة وعسر الهضم ليساالشيء نفسه. حرقة المعدة ترتبط عادةً بارتجاعمحتويات المعدة إلى المريء، بينما يشمل عسرالهضم مجموعة أوسع من الأعراض في أعلىالبطن. لماذا يحدث عسر الهضم؟
أول ما نفعله عادةً هو إلقاء اللوم على آخر شيءتناولناه. أحياناً يكون للطعام دور بالفعل، لكنالموضوع ليس دائماً بهذه البساطة.
الأطعمة الدسمة أو الغنية بالدهون، الأطعمة الحارة،المشروبات الغازية والكافيين قد تزيد الأعراض لدىبعض الأشخاص. لكن الأطعمة المحفزة تختلف منشخص إلى آخر، ولذلك لا توجد حلول تناسبالجميع.
الجهاز الهضمي والدماغ على تواصل مستمر،ولهذا قد تظهر الضغوط النفسية والتوتر على شكلأعراض جسدية حقيقية في الجهاز الهضمي. ربمالاحظت في أيام الضغط أنك تشعر بالغثيان، أو أنمعدتك تصبح أكثر حساسية، أو أن وجبة تتناولهاعادةً دون مشكلة أصبحت فجأة مزعجة.
هذا لا يعني أن الأعراض “نفسية” أو غير حقيقية،بل يوضح مدى قوة العلاقة بين الدماغ والجهازالهضمي.
كما أن بعض الأدوية قد تسبب أو تزيد عسرالهضم، ومنها بعض مضادات الالتهاب غيرالستيرويدية مثل الإيبوبروفين والأسبرين. وقد يكونعسر الهضم أحياناً مرتبطاً بحالات مثل التهاب أوقرحة المعدة أو الإصابة ببكتيريا H. pylori.
لذلك، إذا أصبحت الأعراض متكرّرة، لا نفترضتلقائياً أن السبب هو الطعام.
كيف نقلّل من عسر الهضم؟
لا نحتاج دائماً إلى نظام غذائي معقد. أحياناً تكونبعض التغييرات الصغيرة في طريقة تناول الطعامأكثر فائدة من قائمة طويلة من الممنوعات.
من الناحية الغذائية، هناك مجموعة من الخطواتالتي يمكن تجربتها للتخفيف من الأعراض، معالأخذ بعين الاعتبار أنه لا توجد خطة واحدة تناسبالجميع.
خفّفي حجم الوجبة قبل أن تبدئي بحذف الأطعمة: هذه من أولى النصائح التي يمكن تجربتها. أحياناًلا تكون المشكلة في نوع الطعام نفسه، بل فيالكمية. إذا كنتِ تشعرين بالثقل أو الامتلاء بعدالأكل، جرّبي تقسيم طعامكِ على وجبات أصغر بدلاًمن تناول وجبة واحدي كبيرة، خصوصاً في المساء.
لا تصلي إلى الوجبة وأنتِ جائعة جداً: ترك ساعاتطويلة جداً بين الوجبات قد يجعلكِ تأكلين بسرعةوكمية أكبر من حاجتكِ. وجود نوع من الانتظام فيالوجبات قد يساعدكِ على تناول الطعام بهدوء أكبر،خاصةً إذا لاحظتِ أن الجوع الشديد يتبعه دائماً ثقلأو انتفاخ.
تمهّلي أثناء الأكل: تناول الوجبة بسرعة أصبح عادةشائعة، خصوصاً خلال أيام العمل. نأكل أمامالكمبيوتر، أثناء استخدام الهاتف أو بين اجتماعين،ثم نشعر بأن المعدة غير مرتاحة. حاولي الجلوسلتناول الطعام، خذي وقتكِ في المضغ وتوقفي للحظةبين اللقم. الهدف ليس الوصول إلى رقم معين منمرات المضغ، بل إعطاء الوجبة وقتها.
خفّفي الوجبات الدسمة عندما تكون معدتكِحساسة: الأطعمة المقلية، الصلصات الثقيلةوالكميات الكبيرة من الدهون قد تزيد الشعوربالامتلاء لدى بعض الأشخاص. إذا لاحظتِ ذلك،اختاري في الأيام التي تكون فيها الأعراض أقوىطرق طهي أبسط مثل الشوي أو الخَبز، مع وجباتأخف وأكثر راحة بالنسبة لك. لكن هذا لا يعني حذفالدهون تماماً من نظامكِ الغذائي، بل تعديل الكميةوالنوعية بحسب تحمّل جسمكِ.
راقبي القهوة : ليس من الضروري أن تكون الخطوةالأولى هي إيقاف القهوة تماماً. لكن إذا كنتِتشربين عدة أكواب يومياً وتعانين من عسر الهضم أوالحرقة، جربي تقليل الكمية لفترة ومراقبة الفرق. وينطبق الأمر نفسه على المشروبات الغازية، إذ قدتزيد الغازات والتجشؤ والانتفاخ لدى بعضالأشخاص.
وزّعي الماء على مدار اليوم: الترطيب مهم جداً، لكنبدلاً من شرب كمية كبيرة جداً من السوائل دفعةواحدة أثناء الوجبة، حاولي توزيع الماء بشكل منتظمعلى مدار اليوم، مع الشرب بصورة طبيعية أثناءالطعام بحسب حاجتكِ.
لا تستلقِ مباشرة بعد الطعام: إذا كان عسر الهضملديكِ يترافق مع الحرقة أو الارتجاع، فإن توقيتالطعام يصبح أكثر أهمية.تناول وجبة كبيرة ثمالاستلقاء مباشرة قد يزيد الأعراض لدى بعضالأشخاص. لذلك حاولي إعطاء جسمكِ بعض الوقتبعد الوجبة، وخصوصاً قبل النوم.
كما قد يكون من المفيد تجنّب الوجبات الكبيرة جداًفي وقت متأخر من الليل إذا كنتِ تلاحظين ارتباطهابالأعراض.
جرّبي المشي الخفيف بعد الوجبة: لا تحتاجين إلىممارسة الرياضة بعد الطعام مباشرة. لكن المشيالهادئ لمدة 10 إلى 15 دقيقة قد يكون عادة بسيطةومريحة لبعض الأشخاص.
الفكرة هي القليل من الحركة بدلاً من الانتقالمباشرة من مائدة الطعام إلى الأريكة أو السرير.
لا تمنعي كل شيء… اكتشفي ما يزعجكِ أنتِ: عندما يبدأ عسر الهضم، قد يلجأ البعض مباشرةإلى حذف القهوة، الغلوتين، منتجات الألبان، الفواكه،البهارات وغيرها في الوقت نفسه. المشكلة أن ذلك قديؤدي إلى نظام غذائي محدود جداً دون معرفةالمسبب الحقيقي. بدلاً من ذلك، راقبي الأعراضلبضعة أيام.
اسألي نفسكِ: ماذا أكلت؟ ما حجم الوجبة؟ هلتناولتها بسرعة؟ كم كوباً من القهوة شربت؟ هل كانتالوجبة دسمة؟ متى بدأت الأعراض؟ وكيف كانمستوى التوتر في ذلك اليوم؟هذه التفاصيل قدتساعد على اكتشاف نمط واضح. الفكرة ليست أننخاف من الطعام، بل أن نفهم جسمنا بشكل أفضل.
لا تنسي التوتر: إذا كنتِ تقومين بكل التغييراتالغذائية الممكنة وما زالت الأعراض تظهر بشكلواضح فِي الأيام المليئة بالضغط، فقد لا يكون الحلفي حذف المزيد من الأطعمة. النوم الجيد، الحركة،التنفس ببطء، أخذ فترات راحة وتخصيص وقتفعلي لتناول الطعام بعيداً عن ضغط العمل كلهاعوامل تستحق الاهتمام.
صحة الجهاز الهضمي لا تعتمد فقط على محتوياتالطبق، بل أيضاً على الظروف التي نتناول فيها هذاالطبق.
ما رأيكِ بالاطلاع الى مجموعات غذائية الجمع بينهايسبب الانتفاخ تبعاً لعلم التغذية.
متى لا يجب تجاهل عسر الهضم؟
عسر الهضم العرضي شائع، لكن تكراره المستمريحتاج إلى تقييم، خصوصاً إذا بدأ يؤثر في تناولكللطعام أو حياتك اليومية.
كما توجد علامات لا ينبغي التعامل معها على أنهامجرد “عسر هضم“، ومنها فقدان الوزن دون سببواضح، القيء المتكرر أو القيء المصحوب بالدم،صعوبة أو ألم أثناء البلع، البراز الأسود، الألمالشديد والمستمر، فقدان الشهية أو ضيق التنفس.
كذلك فإن الألم في الصدر أو الفك أو الرقبة أوالذراع يحتاج إلى تقييم طبي سريع.
وجود إحدى هذه العلامات لا يعني تلقائياً وجودمشكلة خطيرة، لكنه يعني أن الأفضل عدم الاكتفاءبتغيير النظام الغذائي أو تناول أدوية من تلقاءنفسك.
وفي النهاية… إذا كانت معدتكِ تزعجك بِاستمرار، لاتبدئي حرباً مع الطعام.
عسر الهضم لا يعني أن هناك قائمة طويلة منالأطعمة التي يجب منعها إلى الأبد. في كثير منالأحيان، نحتاج أولاً إلى النظر إلى الصورة كاملة: ماذا نأكل، وكم نأكل، وكيف نأكل، ومتى نأكل، وحتىفي أي حالة نفسية نتناول وجبتنا.
نصائح عامة من اختصاصية التغذية
ومن أهم النصائح من وجهة نظر اختصاصيةالتغذية: لا تجعلي الحل الأول هو حذف مجموعاتكاملة من الطعام.
الهدف ليس أن تصبح قائمة الأطعمة التيتستطيعين تناولها أصغر وأصغر، بل أن نفهم سببالأعراض ونبني نظاماً غذائياً متنوّعاً ومريحاً للجهازالهضمي في الوقت نفسه.
وإذا استمرت الأعراض رغم هذه التغييرات، أو كانتشديدة ومتكررة، فهنا لا نكتفي بالنصائح الغذائية. من الأفضل مراجعة الطبيب لاستبعاد وجود سببيحتاج إلى علاج، ثم يمكن بناء الخطة الغذائية بناءًعلى التشخيص.