من يُفسد القرابة يُفسد عرش ذاته

نور عبدالستار احمد

كثيراً ماتتردد على الألسن عباراتٌ تخفي وراءها ظلالاً قاتمة من المعاني فيشيع بين الناس منطق (ابعد تُسعد) وتتردد مقولة (الأقارب عقارب) ويُروج للابتعاد بوصفه الخطوة الأولى نحو النجاح. غير أن هذه الكلمات في حقيقتها ليست سوى ضباب كثيف يُحجب به نور الحقيقة الساطعة ،فالأقارب مهما تباينت مواقفهم واشتدت عواصف طباعهم،يظلون خيطاً خفياً يربط الكيان بأصله الثابت فالقرابة ليست عبئاً يُلقى على كاهل الأيام، بل هي سرٌ دفين في أعماق الذاكرة، وامتدادٌ روحي يُستشعر في زوايا الوجدان.إن من يختار الابتعاد والنأي بنفسه بدعوى البحث عن الراحة أو اقتناص النجاح، يظن واهماً أنه ينجو بنفسه ويفوز بحريته، بينما هو في حقيقة الأمر يقطع جزءاً حياً من ذاته قبل أن يقطع صلة الدم. نعم قد يظهر في محيط الأقارب من يسيء أو يظلم وتلك طبيعة بعض البشر فوجود الشوك في الغصن لايُلغي جوهر الزهرة ولاينفي حقيقتها ،إن الخطأ في محيط الاقارب لا يبرر الهروب، بل يكشف لنا أن الإصلاح واجبٌ وأن ردع الخطأ ضرورة حتمية حتى لايتفشى الوجع، فالإنسان المسيء أو المريض نفسياً سيظل أسيراً لظلاله المظلمة، وهو يحتاج إلى يدٍ تقومه وترعاه، لا إلى هجرٍ وقسوة يزيلان ماتبقى له من طوق نجاة ويزيدانه غرقاً في تيهه. من هنا فإن من يختار العزلة والقطيعة فلن يضر إلا نفسه إذ يلوذ بوهم الخلاص، غافلاً عن أن عزلته هي قطيعةٌ مع ذاته وتنكُر لهويته قبل أن تكون انقطاعاً عن الآخرين. وفي نهاية المطاف، تبقى القرابة هي الأمان الخفي الذي لايُفصح عنه الزمن إلا في الملمات والسند المتين الذي يتبدى ناصعاً في لحظات الانكسار،لذا دعونا نُشيد صروح علاقاتنا على أعمدة من الرحمة والإصلاح، متسامين فوق الهجر، ومترفعين عن القطيعة فمن يُفسد القرابة إنما يُفسد عرش ذاته.

قد يعجبك ايضا
∧