عزيز ملا هذال
الإنهاك الرقمي يختلف عن الضغوط التقليدية بكونهعابراً للحدود الزمانية والمكانية؛ فهو يلاحق الفرد فيأدق مساحاته الآمنة ليحرمه من تجديد طاقته. ومواجهته لا تتطلب قطيعة كاملة، بل إدارة واعيةللوقت، وضبط تدفق المثيرات، وتغذية الفكر بالمحتوىالنافع للحفاظ على الحضور الذهني والتوازنالنفسي…
وفقاً للانخراط الطبيعي فيما تحدده المرحلة وجدناأنفسنا نقضي ساعات طويلة من اوقاتنا علىمنصات التواصل الاجتماعي او في استخدامالشاشات المتصلة بشبكة الانترنت، وهذا الاستخدامله من المنافع ماله وله من المضار ماله، فماهي أبرزسلبيات الانهاك الرقمي، وكيف نحد منه لتوفير قدرمن الصحة النفسية؟
يعرف الانهاك الرقمي على انه حالة متقدمة منالإجهاد الذهني، والإنهاك العاطفي والإنهاك البدنـيالناجم عن التعرض المفرط غير المنضبط، والمستمرللشاشات والمثيرات الرقمية عبر مختلف المنصاتوالتطبيقات.
ويختلف الانهاك الرقمي عن الانهاك العادي أوضغوط العمل التقليدية اختلافاً كبيراً، حيث إنالضغوط التقليدية غالباً ما تكون مرتبطة بمهاممحددة وساعات عمل لها بداية ونهاية بيئة جغرافيةوزمانية معلومة، بينما يتسم الإنهاك الرقمي بطبيعتهالعابرة للحدود؛ فهو يلاحق الفرد في بيته وغرفة نومه،وأوقات راحته، وعطلاته الأسبوعية، مجرداً إياه منالمساحات الآمنة التي كان يعود إليها لترميم طاقتهالنفسية.
اضرار الانهماك الرقمي
الأضرار النفسية الناجمة عن الإنهاك الرقمي تغيرمن نمط تفاعل الانسان مع العالم الواقعي في اغلبالحالات، ولعل من أبرز الاضرار التي تتجلى فيهذا السياق هي:
أولى الاضرار تتسم في التشويه الإدراكي للزمنوالحضور، حيث تفرغ التكنولوجيا المفاهيم الطبيعيةللزمان والمكان من معانيها، فالمعلومات تقدم علىالفور، والتفاعلات تحدث في لحظات، والأحداثتتوالى بشكل سريع، وهذه السرعة تؤدي إلى إرهاقعقلي ناجم عن فقدان الإحساس بالزمن. الشخصالذي يعاني من هذا الإرهاق الرقمي يفقد قدرته علىالتواجد في اللحظة الحالية حيث يكون جسمه فيمكان معين، بينما ذهنه مشغول بتدفقات رقميةمستمرة أو إشعارات قادمة، هذا الغياب عنالحضور الفعلي يخلق نوعاً من “المعية الزائفة“،حيث يمر الوقت دون الشعور الحقيقي بتجاربالحياة.
ومن الاضرار التي ينتجها الانهاك الرقمي هو تآكلالصبر فقدان التفكير العميق لدى الانسان، فقديعتاد العقل على التعامل مع النصوص القصيرة،والمقاطع السريعة، والتنقلات الخاطفة بينالتطبيقات، مما يؤدي إلى ضمور القدرة على الصبرالمعرفي، وبالتالي يجد الفرد المنهك رقمياً صعوبةبالغة في ممارسة التفكير المجرد، أو القراءة التحليليةالمطولة، أو الاستغراق الذهني في قضية واحدة.
ومما يحدثه الانهاك الرقمي ايضاً هو التردد الشلليوتآكل الإرادة، حيث يتطلب التصفح الرقمي المستمروالتفاعل مع آلاف الرسائل والخيارات اتخاذ قراراتمتناهية الصغر طوال اليوم وهذا ما يؤدي تراكم هذهالعمليات الذهنية إلى حالة تُعرف بـ “تآكل قوةالإرادة“، فعندما تنفد الطاقة النفسية المخصصةللتنظيم الذاتي، يصبح الفرد عاجزاً عن اتخاذقرارات حاسمة في حياته الشخصية أو المهنية،وبالتالي يقع المنهك رقمياً في فخ التردد الشللي،ويفقد قدرته على التخطيط الممتد، ويتجه نحوالاستسلام للظروف المحيطة بدلاً من توجيه حياتهبإرادة واعية.
كما يتعرض الفرد عبر الشاشات لضخ يومي مكثفمن الأخبار الصادمة، والمنشورات العاطفية،والمشاهد المتناقضة بين الفرح المطلق والمآسيالإنسانية. أمام هذا التدفق الذي يفوق الطاقةالاستيعابية للوجدان البشري، يلجأ الجهاز النفسيإلى استخدام حيلة دفاعية تعرف بـ الانفصالالعاطفي أو البلادة مما يجعله بعيداً عن واقعهالمعاش.
كيف نواجه الانهاك الرقمي؟
اول الخطوات لتفادي اضرار الانهاك الرقمي هيوضع جدول زمني لمتابعة مواقع التواصل والحرصعلى متابعة الصفحات ذات المحتوى الجيد والمفيدفكرياً وهو ما يبقي الانسان بعيداُ عن التأثير السيءلمواقع التواصل الاجتماعي المتزايدة.
ومن الأهمية بمكان ان يدير الانسان وقته بين القراءةوالتسلية والاهتمام بالمتطلبات العائلية، حيث انالإدارة الجيدة ستقلل من فرص الرضوخ للشاشاتلأوقات طويلة وبالتالي تبقى الشاشات مجرد وقتعابر غير مؤثر.
وفي الخلاصة نقول: ان الانسان يمكنه ان يجعل منالانترنت ومواقع التواصل أداة للتواصل الفكريوالمعرفي والاجتماعي ضمن حدود المقبول، واما انيجعله أدوات للضرر والاثار السلبية التي تلحق بهاوتبقى عالقة معه.