حين يصبح “قريباً” موعداً رسمياً

 

هورين حسن

يبدو أن التعليم العالي قرر أخيراً دخول العصر الرقمي، فالمفاضلة ستكون إلكترونية، والتسجيل إلكترونياً، وإدخال الرغبات إلكترونياً، وإعلان النتائج إلكترونياً، وكل شيء سيكون حديثاً وسريعاً ومنظماً، ما عدا تفصيلاً صغيراً جداً، لا يستحق كل هذه التكنولوجيا.
متى تبدأ المفاضلة؟
هذا السؤال البسيط، الذي يستطيع طفل أن يطرحه في ثلاث ثوانٍ، يبدو أنه يحتاج إلى منظومة إدارية كاملة للإجابة عنه.
فالوزارة أعلنت أن المفاضلة العامة للعام الدراسي 2026–2027 ستكون إلكترونية وموحدة، وقالت في 23 أيلول إنها ستصدر الأسبوع القادم، بعد استكمال بعض الملفات والإجراءات.
وها نحن أمام أجمل اختراع إداري في المرحلة الجديدة؛ المفاضلة إلكترونية، لكن موعدها ورقي، كل شيء يمكن ضغطه على شاشة الهاتف، إلا التاريخ؛ التاريخ ما زال يحتاج إلى اجتماعات ومداولات واستكمال معطيات، وربما اجتماع آخر لتحديد موعد الاجتماع الذي سيحدد موعد المفاضلة.
“قريباً” … الموعد الذي لا يأتي
في أي مكان آخر، كلمة “قريباً” تعني شيئاً قريباً فعلًا، أما عندنا فقد تحولت إلى وحدة زمنية مستقلة، تنافس الساعة واليوم والأسبوع، وربما تتفوق عليها جميعاً، لأنها لا تملك تاريخ انتهاء.
“قريباً” كلمة مريحة جداً للإدارة؛ لا هي وعد يمكن محاسبتها عليه، ولا هي تأجيل صريح يضطر صاحبه إلى تقديم تفسير.
إنها الكلمة المثالية لمن يريد أن يقول شيئاً من دون أن يقول متى سيحدث، تستطيع أن تضعها في بيان رسمي، وفي تصريح صحفي، وفي منشور على وسائل التواصل، وتغلق الملف بأمان، بينما يذهب الطالب إلى هاتفه ليبحث عن معنى آخر للكلمة.
المشكلة، لا يستطيع الطالب أن يعيش وفق التوقيت الإداري الجديد، لا يستطيع أن يقول لصاحب البيت: “سأحجز الغرفة قريباً”، ولا لوالده: “سأعرف المدينة قريباً”، ولا لمكتب النقل: “سأخبركم بالموعد قريباً”، الحياة، للأسف، ما زالت تعمل بالتواريخ.
الطالب نجح في الثانوية… وبقي أن ينجح في الانتظار
أمضى الطالب عاماً كاملاً أو أكثر يدرس للثانوية، دخل الامتحان، وخرج، وانتظر النتائج، ونجح، يكتشف الآن، أن هناك امتحاناً آخر لم يكن موجوداً في المنهاج؛ امتحان الصبر!
يعرف الطالب في امتحان الثانوية، متى يدخل القاعة ومتى يخرج، وكان هناك جرس يعلن بداية الامتحان ونهايته.
أما في امتحان المفاضلة فلا توجد قاعة، ولا جرس، ولا ورقة أسئلة، ولا حتى تعليمات واضحة عن موعد انتهاء الامتحان.
هناك فقط سؤال واحد يتكرر كل صباح: “هل صدرت المفاضلة”؟
ثم تأتي الإجابة الوطنية الموحدة: “قريباً”.
وهكذا يمكن لطالب أن يعرف معدله بدقة تصل إلى منزلتين عشريتين، لكنه لا يستطيع أن يعرف اليوم الذي سيبدأ فيه التخطيط لمستقبله، وهذه، على الأرجح، إحدى عجائب الإدارة الحديثة، كلما ازدادت دقة الأرقام، أصبح الموعد أكثر غموضاً.
آلاف الطلاب… ومَن قال إن الوقت مجاني؟

المشكلة، أن تأخير المفاضلة لا يحدث في فراغ، خلف كل طالب أسرة تحاول أن تعرف أين سيذهب ابنها، وهل يحتاج إلى سكن، وكم ستكلفه المواصلات، وهل يستطيعون تأمين مصاريف الجامعة، ومتى يبدأ الاستعداد للعام الدراسي.
تستطيع الإدارة أن تنظر إلى التأخير باعتباره بضعة أيام إضافية لاستكمال الإجراءات، أما الأسرة فتراه في فاتورة السكن، وأجرة الطريق، وتكلفة الطعام، والكتب، والقرطاسية، وكل شيء آخر قرر أن يصبح أغلى في الوقت الذي قررت فيه المفاضلة أن تصبح “قريباً”.
والمثير أن المواطن هو الطرف الوحيد المطلوب منه دائماً أن يكون متفهماً، عليه أن يتفهم تأخر المفاضلة، ويتفهم تأخر المعاملة، ويتفهم تأخر القرار، ويتفهم تغير التعليمات، ويتفهم أن هناك”إجراءات” و”ملفات” و”تنسيقاً”، أما إذا تأخر الطالب عشر دقائق عن موعد التسجيل، فهنا فجأة يصبح للوقت قيمة، ويصبح للموعد حرمة، وتظهر عبارة “انتهت المهلة المحددة”.
جامعة تنتظر أن تعرف مصيرها
ولا تتوقف الكوميديا الإدارية عند الطالب الجديد، هناك طلاب يواصلون دراستهم في جامعاتهم، وينتظرون بدورهم معرفة ما سيحدث لمؤسساتهم وبرامجهم الدراسية.
جامعة روج آفا، مثلاً، دخلت في مسار اندماج مع وزارة التعليم العالي، لكن الجامعة قالت في 27 أيلول، إن الغموض ما زال يحيط بطريقة تنفيذ المسار مع اقتراب العام الدراسي، وأعربت عن مخاوف تتعلق بطريقة اتخاذ القرارات وبحقوق الطلاب والتعليم باللغة الأم.
وهنا يصبح المشهد أكثر غرابة، جامعة يفترض أنها تعلم الناس كيف يخططون لمستقبلهم، تنتظر هي نفسها أن تعرف، ماذا سيحدث لمستقبلها!
لا يسأل الطالب في هذه الحالة عن لون الحائط ولا عن اسم المدير، يسأل سؤالًا أكثر جدية، ماذا سيحدث للسنوات التي درستها؟ ماذا عن مقرراتي؟ ماذا عن شهادتي؟ ماذا عن جامعتي؟
وقد تكون عملية الدمج وإعادة التنظيم ضرورية أو معقدة أو تحتاج إلى وقت، وهذا شأن المؤسسات المعنية.
لكن الطالب ليس ملفاً يمكن وضعه في خانة “قيد المعالجة” إلى أن تنتهي الاجتماعات.
إنه إنسان لديه سنوات دراسية، لا يمكن تجميدها إلى أجل غير مسمى.
ثلاث حصص …وقضية أكبر من عدد الساعات
ثم نصل إلى المدارس، حيث قررت ثلاث حصص أسبوعية للغة الكردية أن تدخل في منافسة غير معلنة مع المفاضلة على لقب “الملف الأكثر قدرة على إنتاج الأسئلة”.
القرار الذي خصص ثلاث حصص أسبوعية للغة الكردية، أثار اعتراضات وتحركات طلابية في الحسكة ومدنها، ووصل الأمر إلى إعلان طلاب عن مقاطعة العملية التعليمية احتجاجاً على القرار.
ثلاث حصص فقط، لكنها حملت معها كل ما تحمله ملفات اللغة والتعليم والهوية من حساسية.
وهنا أيضاً يبدو أن الطالب وجد نفسه في المكان الخطأ؛ بدل أن يناقش امتحانه وكتابه ودرسه، أصبح جزءاً من خلاف أوسع حول شكل التعليم نفسه.
يمكن للسلطات والطلاب والأهالي والمعلمين أن يختلفوا حول المنهج وعدد الحصص وطريقة تدريس اللغة، وهذا النقاش يحتاج إلى حوار حقيقي، لكن هناك قاعدة بسيطة كان يمكن تعليقها فوق كل مدرسة، لا تجعلوا الطالب يدفع ثمن فشل الكبار في الاتفاق.
فالمدرسة مكان للتعليم، وليست مختبراً لاختبار قدرة القرارات المفاجئة على إنتاج الاحتجاجات.
الدولة ترتب الملفات… والطلاب يرتبون أعصابهم
في كل هذه القصص هناك كلمة تتكرر كثيراً، الإجراءات.
الإجراءات تستكمل، والملفات تعالج، والمعطيات تستكمل، واللجان تنسق، والجهات تتابع، والتعليمات ستصدر، والتفاصيل ستعلن، والمفاضلة ستظهر”قريباً”.
جميل جداً.
لكن ماذا يفعل الطالب في هذه الأثناء؟
ينتظر.
ينتظر الإعلان، ثم ينتظر التعليمات، ثم ينتظر النتيجة، ثم ينتظر التسجيل، ثم ينتظر بداية الدوام، وإذا كان طالباً في جامعة يجري تنظيم وضعها، ينتظر أن يعرف أصلاً ماذا سيكون اسم المكان الذي سيذهب إليه.
ربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى استحداث اختصاص جامعي جديد، بكالوريوس في الانتظار الإداري، أربعة أعوام من الدراسة النظرية في “قريباً”، والتطبيق العملي في تحديث الصفحات الرسمية، ومشروع التخرج عبارة عن سؤال واحد: “هل ظهرت النتائج”؟
التعليم ليس غرفة انتظار
لا أحد يطلب من وزارة التعليم العالي أن تنجز الملفات المعقدة بالسحر، ولا أحد يقول إن إعادة تنظيم التعليم العالي يمكن أن تتم بقرار في خمس دقائق، لكن بين إنجاز كل شيء فوراً، وبين ترك الناس في الظلام مساحة واسعة، اسمها الشفافية.
إذا تأخرت المفاضلة، قولوا إنها تأخرت،إذا كان هناك ملف يمنع صدورها، قولوا ما يمكن قوله عنه.
إذا كان الموعد تغير، أعلنوا الموعد الجديد، وإذا لم يكن هناك موعد نهائي بعد، فقولوا ذلك بوضوح.
فالحقيقة، حتى عندما تكون مزعجة، أقل كلفة على الناس من التخمين.
أما أن يصبح “قريباً” جواباً رسمياً لكل سؤال، فهذا ليس تنظيماً للوقت، بل إلغاء للوقت من القاموس الإداري.
فالطالب لا يحتاج إلى بيان طويل كي يعرف مستقبله، يحتاج إلى تاريخ.
ولا يحتاج إلى عشرات المصطلحات كي يعرف أين يقف، يحتاج إلى معلومة.
ولا يحتاج إلى وعود بأن الأمور ستكون “واضحة ومنظمة”؛ يحتاج إلى أن تكون واضحة ومنظمة فعلاً.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً ليس: لماذا تأخرت المفاضلة؟
بل، لماذا أصبح طلب معرفة الموعد نفسه يحتاج إلى كل هذا الانتظار؟
وإذا كانت الإجابة مرة أخرى هي”قريباً”، فلا بأس.
لكن، رجاءً، أخبرونا فقط: قريباً بالنسبة إلى مَن؟

قد يعجبك ايضا
∧