د. خالد عامر الحديثي
يبدو أن العقل العربي دخل أخيرًا عصر التنين، لكن ليس التنين وحده هو المشكلة؛ المشكلة أن بعضنا ما زال يتعامل مع كل تنين يظهر على الشاشة وكأنه اكتشاف علمي يستحق التصفيق، أو كأنه رسالة كونية وصلت إلينا خصيصًا من وراء البحار.
في فيلم «الأم والتنين»، كما في كثير من الأعمال السينمائية الحديثة، تتحرك الصورة بين الأسطورة والخيال والتقنية، وتقدم عالمًا تتداخل فيه القوة والخوف والأمومة والصراع. أما المشاهد العربي، فله حكاية أخرى؛ إذ يستطيع أن يشاهد الفيلم لساعتين، ثم يخرج منه وهو لا يعرف ماذا أراد الفيلم أن يقول، لكنه يعرف تمامًا أن التنين «خطير جدًا» وأن المؤثرات «خيالية».
وهنا تبدأ الكارثة الجميلة: نحن أمةٌ تتجادل طويلًا حول الفيلم قبل أن تشاهده، ثم تشاهده دون أن تفكر فيه!
نحن بارعون في صناعة الأحكام الجاهزة. يكفي أن تكون هناك شخصية غريبة، أو فكرة لا تشبه ما اعتدناه، حتى يبدأ سيل التعليقات: «هذا ضد قيمنا»، «هذا مؤامرة»، «هذا خراب»، ثم يأتي شخص آخر ليقول: «الفيلم أسطوري»، من دون أن يكلف نفسه عناء السؤال: أسطوري في ماذا؟
المشكلة ليست في أن يعجبنا الفيلم أو لا يعجبنا؛ فذلك حق شخصي. المشكلة أن المشاهدة عندنا كثيرًا ما تتحول إلى موقف مسبق. ندخل الفيلم ومعنا أحكامنا، ثم نخرج منه وقد وجدنا ما يؤكدها. كأننا لا نشاهد الفيلم، وإنما نشاهد أنفسنا داخل الفيلم.
والأغرب أن العقلية التي تخشى تأثير فيلم خيالي قد تكون هي نفسها التي لا تخشى تأثير مئات المقاطع القصيرة التي تقتطع من السياق، ولا تخشى الأخبار المجهولة، ولا المنشورات التي تبدأ بعبارة «دراسة حديثة أثبتت»، ثم لا وجود للدراسة أصلًا!
نحن نخاف من التنين السينمائي، لكننا نترك تنانين الجهل والشائعة والتعصب تتجول بحرية في هواتفنا.
ولعل المفارقة الأكبر أن الفيلم الخيالي يفترض من المشاهد أن يستخدم خياله، بينما بعضنا يستخدم خياله فقط في تفسير المؤامرات. يستطيع أن يبني خلال دقائق قصة كاملة عن سبب إنتاج الفيلم، ومن يقف خلفه، وما الرسالة السرية التي يحملها، لكنه يعجز عن قراءة رمز سينمائي بسيط دون أن يبحث عن «الجهة التي تقف وراءه».
إن السينما لا تطلب منا أن نصدق كل ما تعرضه، وإنما تطلب أن نفكر فيما تعرضه. وهذه نقطة تبدو بسيطة، لكنها تحتاج إلى عقل اعتاد السؤال أكثر من اعتياده على إصدار الأحكام.
ربما لا يحتاج العقل العربي إلى مزيد من الأفلام التي تخبره ماذا يفكر، بل إلى مزيد من الأفلام التي تجعله يتساءل: لماذا فكرت بهذه الطريقة أصلًا؟
فالتنين الحقيقي ليس ذلك الكائن الذي يطير فوق الشاشة، ولا الأم التي تحاول إنقاذ عالمها، وإنما ذلك التنين الصغير الذي يسكن داخل عقولنا، ويهمس لنا دائمًا: «لا تسأل… لقد قررتُ لك ما يجب أن تفكر فيه».
وعندما ننجح في قتل هذا التنين، ربما نكتشف أن المشكلة لم تكن في الفيلم أصلًا، بل في المشاهد الذي دخل القاعة بعقلٍ مغلق، وخرج منها وهو يطالب الفيلم بأن يوافقه الرأي.
وهنا فقط تصبح السينما مرآة حقيقية لنا؛ لا لأنها تسخر منا، بل لأنها تكشف لنا أحيانًا كم نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نشاهد قبل أن نتعلم كيف نحكم.