مصير الأمة

مصطفى عبدالكريم قایتەوەني

منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، منحه إرادةً وكرامةً وحقًا أصيلًا في أن يعيش حرًّا كريمًا على هذه الأرض. ومع تطور المجتمعات البشرية وقيام الحضارات والدول، أصبحت الحرية وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب من المبادئ التي احتلت مكانة أساسية في الفكر السياسي والمواثيق الدولية، ورسّختها مؤسسات دولية كبرى، بدءًا من عصبة الأمم وصولًا إلى الأمم المتحدة.
وفي قلب منطقة ميزوبوتاميا، وعلى أرضٍ ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، يعيش الشعب الكوردي، أحد شعوب المنطقة ذات التاريخ العريق والحضور الحضاري الممتد عبر آلاف السنين. إلا أن الجغرافيا والسياسة لم تكونا رحيمتين بهذا الشعب؛ فقد تعرّض الكورد، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، للتقسيم والاضطهاد والحرمان من تحقيق تطلعاتهم القومية والسياسية.

ومنذ نحو قرن، يخوض الشعب الكوردي نضالًا متواصلًا من أجل الحرية والديمقراطية والاعتراف بحقوقه القومية، بعد أن توزعت أرضه وشعبه بين العراق وسوريا وتركيا وإيران. وعلى الرغم من قسوة الظروف وتعدد التحديات، لم تنجح العقود الطويلة من الصراعات في إخماد تطلع الشعب الكوردي إلى الحرية والكرامة وتقرير المصير.
أما في كوردستان العراق، فقد استمر النضال لعقود طويلة، وكانت اتفاقية آذار عام 1970 إحدى المحطات التاريخية المهمة في هذا المسار، في عهد الزعیم الراحل مصطفى بارزاني، حيث مثّلت تلك الاتفاقية محطة بارزة في مسيرة المطالبة بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي.
ثم جاءت انتفاضة عام 1991، لتفتح صفحة جديدة في تاريخ كوردستان العراق، وأسهمت في قيام واقع سياسي ومؤسساتي جديد، تمثل لاحقًا في حكومة وبرلمان كوردستان، وترسيخ مؤسسات الإدارة الذاتية في الإقليم.
وبعد سقوط نظام البعث في العراق، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة وشارك قيادات الكوردية بقوة في بناء العراق الجديد، وأسهموا في صياغة مؤسساته ودستوره وحياته السياسية، انطلاقًا من إيمانهم بأن العراق الجديد يمكن أن يكون دولةً تقوم على الشراكة والعدالة والديمقراطية واحترام حقوق جميع مكوناته، لكن السنوات اللاحقة شهدت أزمات سياسية متراكمة وخلافات عميقة بين بغداد وأربيل حول عدد من الملفات الدستورية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل العلاقة بين الطرفين، وضمان الحقوق، ومصير القضية الكوردية.

الخامس والعشرون من أيلول… يوم قالت كوردستان كلمتها

في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017، ذهب شعب كوردستان إلى صناديق الاقتراع ليعبّر عن موقفه من قضية الاستقلال. وأعلنت المفوضية المختصة أن نحو 93% من الأصوات الصحيحة كانت لصالح الاستقلال، كان ذلك اليوم لحظةً سياسية وشعبية فارقة في التاريخ الحديث لكوردستان؛ فقد خرجت إرادة شعبية واضحة إلى العلن، وأصبح الاستفتاء حدثًا لا يمكن تجاهله في الذاكرة السياسية الكوردية.

لكن ما حدث بعد الاستفتاء كان فصلًا آخر من فصول الأزمة

فبدل أن يتحول ذلك الحدث إلى بداية حوار سياسي شامل حول مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد، اتخذت الحكومة العراقية إجراءات قاسية، شملت تعليق الرحلات الدولية من مطاري أربيل والسليمانية، والسعي إلى بسط السيطرة الاتحادية على المعابر الحدودية، وأشارت الأمم المتحدة إلى أن هذه الإجراءات جاءت في أعقاب الاستفتاء، كما وثقت لاحقًا وقوع مواجهات عسكرية في عدد من المناطق المتنازع عليها. وكانت الرسالة التي وصلت إلى شعب كوردستان مؤلمة: أن التعبير الشعبي عن إرادته السياسية لم يؤدِّ إلى فتح طريق هادئ نحو الحوار، بل تبعته إجراءات سياسية واقتصادية وأمنية تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الكوردية.
وفي السادس عشر من تشرين الأول/ئوكتوبر 2017، تقدمت القوات العراقية الاتحادية في كركوك ومناطق متنازع عليها أخرى، ووقعت اشتباكات في بعض المناطق بين القوات الاتحادية والبيشمركة، وأفادت الأمم المتحدة بوقوع ضحايا ونزوح، ولا سيما بين السكان الكورد، في كركوك وطوزخورماتو ومناطق أخرى.
ومن المهم هنا التمييز بين الوقائع: لم يكن الهجوم تنفيذًا عسكريًا أمريكيًا على كوردستان؛ بل كانت القوات العراقية الاتحادية هي التي نفذت العمليات، في حين أن بعض المعدات العسكرية الأمريكية التي كانت بحوزتها، ومنها دبابات أبرامز، كانت أمريكية الصنع أو مقدمة سابقًا ضمن تسليح القوات العراقية، وهذه الحقيقة زادت من وطأة الصورة في الذاكرة السياسية الكوردية، خصوصًا بعد سنوات من التعاون العسكري بين الكورد والتحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش.
لقد كانت تلك الأحداث بالنسبة إلى كثير من الشعب الكوردستاني أكثر من مجرد خلاف سياسي عابر؛ فقد أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية المرتبطة بيوم الاستفتاء وما تلاه، ورسّخت شعورًا بأن الطريق نحو تقرير المصير لا يرتبط فقط بإرادة الشعب، وإنما أيضًا بموازين القوى الإقليمية والدولية ومواقف الدول الكبرى.

استفتاء أصبح جزءًا من الوجدان

لم يكن الاستفتاء بالنسبة إلى مؤيديه مجرد ورقة انتخابية أو إجراء سياسي مؤقت؛ بل كان بالنسبة إليهم تعبيرًا عن تاريخ طويل من النضال والتضحيات، وعن حلم حملته أجيال متعاقبة.
وفي المقابل، كان موقف الحكومة العراقية والدول الإقليمية ومعظم المجتمع الدولي أن الاستفتاء لم يكن مقبولًا في ذلك السياق، وأنه يتعارض مع موقفها من وحدة العراق وسلامة أراضيه. وقد أكدت الأمم المتحدة في حينه أن الاستفتاء أُجري بصورة أحادية، وأن المجتمع الدولي والدول المجاورة عارضته، ودعت إلى الحوار بين حكومة العراق في بغداد وحكومة كوردستان في أربيل.
ثم أصدرت المحكمة الاتحادية العليا العراقية في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 قرارًا اعتبرت فيه الاستفتاء غير دستوري، وقضت بإلغاء نتائجه وآثاره، وهو موقف أقرّت به بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في بيانها الرسمي، ومع ذلك، فإن إلغاء النتائج من الناحية القانونية لم يمحُ أثر الاستفتاء من الذاكرة الشعبية، فالتاريخ لا يُقاس فقط بما بقي في النصوص القانونية، بل أيضًا بما يبقى في وجدان الشعوب.

ذاكرة لا تُمحى

وفي الذكرى التاسعة للاستفتاء، يستذكر الشعب الكوردي ذلك اليوم باعتباره محطة بارزة في مسيرته السياسية الحديثة، ويستذكر معه عشرات السنين من النضال والتضحيات، والشهداء الذين ضحوا بحياتهم، والعائلات التي دفعت أثمانًا باهظة، والأجيال التي حملت قضية شعبها من جيل إلى جيل، إن تاريخ الأمم لا يُكتب بالأمنيات وحدها، ولا تُصنع إرادة الشعوب في يوم واحد؛ وإنما تتشكل عبر عقود من التضحيات والصمود والوعي السياسي والحفاظ على الهوية.

لقد قال شعب كوردستان كلمته في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017

وقد تختلف الدول والحكومات في تفسير ذلك اليوم وموقفها منه، وقد تختلف القوى السياسية في تقييم نتائجه، لكن حقيقة واحدة تبقى راسخة: أن ذلك الاستفتاء أصبح جزءًا مهمًا من الذاكرة السياسية والوجدانية للشعب الكوردي في كوردستان.
ومن هنا، فإن مصير الأمة لا يُكتب بالانفعال وحده، ولا يُحسم بالشعارات، بل بالإرادة والوعي والوحدة والعمل السياسي والدبلوماسي، وبالقدرة على تحويل التضحيات التاريخية إلى مشروع يحفظ الحقوق ويصون الكرامة ويخدم مستقبل الأجيال القادمة.
إن قضية الشعب الكوردي ستبقى حاضرة في التاريخ والسياسة، وسيبقى سؤال تقرير المصير جزءًا من النقاش حول مستقبل كوردستان، وفق ما تفرضه الظروف السياسية والقانونية وموازين القوى ومسار الأحداث.
تحيةً لكل من ضحّى من أجل الحرية.
تحيةً لكل شهيد حمل حلم شعبه ورحل قبل أن يرى ثمرة تضحياته، وتحيةً لكل جيل حافظ على هوية شعبه وذاكرته وكرامته.
فالأمم قد تمرّ عليها سنوات صعبة، وقد تتعثر مشاريعها السياسية، وقد تتغير موازين القوى، لكن الذاكرة تبقى، والإرادة تبقى، والتاريخ يبقى شاهدًا على ما أرادته الشعوب وما ضحت من أجله، ويبقى الخامس والعشرون من أيلول يومًا محفورًا في الذاكرة الكوردية، وستبقى قضية مستقبل كوردستان مفتوحة على إرادة شعبها، وعلى مسار التاريخ، وعلى الحلول السياسية والقانونية التي تصنعها الأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا