السياسة رأس مال الرأسمالية العالمية و رأس مال السياسة الفساد

د. خالد زغريت

المجال الحيوي للرأسمالية العالمية هي السياسة؛ لأنها فنّ إدارة المجتمعات الذي يبدع تحويلها إلى سوق ربحية لسيدتها الرأسمالية، و لذلك كان دائماً وراء الحكومات العالمية الكبرى شبكات الرأسمالية العملاقة، تتحكم بها و توجهها، و تتحول تلك الحكومات إلى أسيرة تنافس تلك الشبكات ومصالحها الرأسمالية العليا. والسياسة هي أدوات تلك الشبكات ورأسمالها الإداري، وذلك لأن السياسة هي فنّ تطويع المجتمعات لأهدافها وغاياتها .
تتغذى السياسة على استثمار خصائص الطبيعة البشرية المعقّدة للعب بها وفق حاجاتها، فهي توافقها حيناً وتناقضها أحياناً، وتلك الطبيعة برأي ” إيزايا برلين ” صاحب كتاب” نسيج الإنسان الفاسد” غير قابلة للاختزال في نموذج واحد أو نظام شامل. لذلك تتمرد على كل المشاريع الفكرية التي تدّعي امتلاك “الحل النهائي” لمشكلات الإنسان الذي لا يكون ” كائناً يمكن تقويمه بالكامل، ولا المجتمع مشروعًا يمكن جعله مثالياً “. فالإنسان على مدار تاريخ وجوده كان يجسّد الصراع بين القيم، وعاشت السياسة على ضفاف تصادمها لا انسجامها، فالمساواة تنقض العدالة، وكلما ارتفعت المساواة انخفضت الحرية الفردية .
يرى “برلين” ” أن الإيمان بحقيقة واحدة مطلقة كان وراء كثير من الكوارث السياسية، حيث تحوّلت الأحلام المثالية إلى أنظمة قمعية باسم “الخير العام”. يستند ” برلين” في أفكاره إلى مقولة ” إيمانويل كانط” “من الخشب الأعوج للإنسانية، لا يُصنع شيء مستقيم أبدًا” . وهي دعوة مضمرة إلى التسليم بخصوصية الطبيعة البشرية المعقدة غير القابلة للقولبة والنمذجة، ” ووجوب احترام هذا التعقيد بدلًا من محاولة تطويعه”. والسياسة لا تيئس من محاولة تطويع هذا التعقيد لصالح الشبكات الرأسمالية، فهي تريد تطويعه كسوق لربحيتها وحسب. فتعمل على إفساد التعقيد للتحكم به.
في الوقت عينه لا تتبرأ المشاريع التي تسعى إليها (الشيوعية، الفاشية، و أشكال من الليبرالية المتطرفة). من سرقة الطبيعة البشرية الإنسانية بقناع إيديولوجيتها، بل هي أشد عداء للطبيعة البشرية لأنها تفرط بقولبتها و تجريدها من خصائصها، فتوهم بأن هدفها خلق “جنة على الأرض” بتعبير ” برلين” لأن ” هذه المشاريع تنطلق من فكرة أن هناك حلاً واحداً صحيحاً لمشكلات الإنسانية. وأن هذا الاعتقاد هو مفتاح الاستبداد، و قراءة التاريخ الفكري للبشرية يثبت أنه حقل للصراع بين رؤى مختلفة للإنسان والطبيعة والمجتمع، لا كمسار نحو الحقيقة الواحدة”
يبقى الفكر المستقبلي أهم أساس لعلوم الحضارة، وحصانتها، لأنه يستشرف آفاق تحصين الطبيعة البشرية ضد الخداع السياسي الذي هو أسير المصالح المادية للشركات الكبرى ورأس مالها، ورأسمال السياسة إفساد الطبيعة البشرية، وتدجين الإنسانية. وتاريخ الحضارات في مختلف مراحلها يسجل أحداثها ، لا أفكار بناتها ، إنما قراءة ما خلف تلك الأحداث تكشف ملامح تلك الأفكار ، والتاريخ بكليته ليس قواعد ثابتة للبشرية ، هو مراحل تطور البشرية، وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية ، وتلك التحولات تؤكد أن الطبيعة البشرية دائماً كانت في صراع مع السياسية التي تستثمر ها التحكم بها .

قد يعجبك ايضا