شيركو حبيب
تعريف المعارضة بصورة مختصرة: هي الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب التي تختلف مع سياسات الحكومة القائمة وترغب في تعديلها أو الحلول محلها، وتشكل المعارضة جزءًا أساسيًا من الأنظمة الديمقراطية لمراقبة السلطة ونقدها بالطرق السلمية والقانونية.
في كوردستان، تأتي الانتخابات، وعلى أثرها تعقد البرلمان وتشكل الحكومة، والمعارضة هي القوى والأحزاب التي لا ترغب في الانضمام إلى الحكومة. وهذا اختيار صحيح، لأنه لا بد من وجود معارضة مقابل الحكومة، لتكون مراقبًا على أداء الحكومة وعملها.
لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يستغني عن المعارضة. فهي جزء أساسي من الحياة السياسية، ودورها لا يقل أهمية عن دور القوى التي تشكل الحكومة، لكن المعارضة الحقيقية لا تُقاس بكثرة البيانات والاتهامات، وإنما بقدرتها على المراقبة والمساءلة وتقديم البدائل والدفاع عن المصلحة العامة. ليس مطلوبًا من المعارضة أن تؤيد الحكومة، لكن المطلوب أن تكون لها معايير ثابتة.
في كوردستان، مع احترامي لمن اختار المعارضة، لم تعمل هذه المعارضة بصورة صحيحة وعملية، حيث إن المعارضة مفككة وليست معارضة موحدة، رغم اختلاف أيديولوجيات الأحزاب. لكن المهم أن تكون هناك معارضة متحدة. ففي الدول الديمقراطية تكون الحكومة من جانب، والمعارضة بالمرصاد من جانب آخر.
فمثلًا في بريطانيا هناك حزبان رئيسيان، المحافظون والعمال، وعندما يكون أحدهما في السلطة يكون الثاني في المعارضة، مع عدد آخر من الأحزاب المعارضة. ولكن ليس كل ما تقوم به الحكومة مرفوضًا من المعارضة، فبعض الخدمات والقرارات الحكومية قد تحظى بترحيب من المعارضة.
وكذلك للمعارضة حكومة ظل، من رئيس الوزراء إلى كافة الوزراء، وفي حال حدوث طارئ وتم سحب الثقة من الحكومة في البرلمان، يكون حزب المعارضة مهيأً لاستلام الحكم. في حين ليس لدينا هذا النوع من المعارضة في كوردستان.
المعارضة في تلك الدول لها برنامج واضح لكي يطلع عليه الشعب، وعندما تنتقد الحكومة، فهناك شرح وافٍ وحل مقابل ذلك. المعارضة في تلك الدول لا تتهم الحكومة بالفساد أو السرقة دون دليل، لكن مع الأسف لدينا الاتهام دون دليل، وكأنه عداء شخصي، ولا بديل لخطاب الحكومة تعرضه المعارضة على الشعب.
مثلًا، ليس رأي المعارضة واضحًا، أو لا نرى لها بديلًا مثلا حول رؤيتها الاقتصادية: كيف سيديرون الإيرادات؟ كيف سيعالجون الرواتب والخدمات؟ كيف سيتعاملون مع بغداد؟ وكيف سيدافعون عن الحقوق الدستورية للإقليم؟ فالمعارضة ليست فقط أن تقول للحكومة: أنت مخطئ، وإنما عليها أيضًا أن تقول للمواطن: هذا هو البديل الذي نقترحه.
وليس لهؤلاء موقف ثابت، فمثلًا، مع انتشار الأخبار والتحليلات السياسية خلال الايام التي مضت حول احتمال توصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني إلى تفاهمات بشأن تفعيل البرلمان وتشكيل حكومة الإقليم، بدأت مواقف بعض أطراف المعارضة تثير تساؤلات تستحق التوقف عندها. فالمشهد يبدو أحيانًا وكأن المشكلة ليست في خلاف الحزبين ولا في اتفاقهما، وإنما في مجرد اختلافهما أو اتفاقهما.
عندما يختلف الحزبان، ترتفع أصوات من بعض أطراف المعارضة محذرة من أن الخلاف يضر بالمصالح العليا لكوردستان ويعطل مؤسسات الإقليم. وهذا موقف يمكن تفهمه، لأن الخلاف بين القوى السياسية الرئيسية قد ينعكس على عمل المؤسسات والاستقرار السياسي. لكن عندما يقترب الحزبان ويحاولان تجاوز خلافاتهما والاتفاق على تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة، يتغير الخطاب، وتظهر اتهامات بأنهما يريدان تقاسم السلطة والثروة، أو أن اتفاقهما لا يخدم الشعب.
من الطبيعي أن يحتاج إقليم كوردستان إلى تفاهم سياسي بين الحزبين الرئيسيين. فصحيح أن بإمكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني تشكيل حكومة مع قوى أخرى، كما يستطيع الاتحاد الوطني البحث عن تفاهمات مختلفة، لكن واقع الإقليم السياسي يفرض أن يكون هناك تفاهم بين القوى الرئيسية، لأن استمرار الخلاف والتعطيل لا يخدم المؤسسات ولا المواطن، إذا كان الاتفاق سيؤدي إلى تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة وإعادة المؤسسات إلى العمل، فيجب أن يُناقش من زاوية نتائجه على المواطن، لا لمجرد أن الحزبين اتفقا.
وإذا كانت هناك ملاحظات أو اعتراضات على الاتفاق، فمن حق المعارضة أن تطرحها بالأدلة والوثائق، وأن تقدم البدائل. أما رفض الاتفاق لمجرد أنه اتفاق بين الحزبين، فهو موقف يحتاج إلى تفسير سياسي واضح.
إذا كان هناك خلل في أداء الحكومة، فلتكشفه. وإذا كانت هناك مشكلة في إدارة الإيرادات، فلتطرحها بالأرقام. وإذا كانت هناك مخالفة دستورية أو قانونية، فلتسلك طريقها القانوني. لكن من حق المواطن أيضًا أن يسأل المعارضة: ما هو مشروعكم؟
إذا اختلفا… وإذا اتفقا. إذا اختلف الحزبان، تقول بعض أطراف المعارضة إنهما يضران بكوردستان. وإذا اتفقا، تقول إنهما يتقاسمان السلطة والثروة.
إذا تشكلت الحكومة، يقال إنها لا تمثل الشعب. وإذا تأخر تشكيلها، يقال إن الحزبين يعطلان المؤسسات. فما هو المعيار إذن؟ إذا كان المطلوب من الحزبين أن يتفقا من أجل مصلحة كوردستان، فلماذا يصبح اتفاقهما نفسه سببًا للهجوم؟
السياسة لا تقوم على رفض كل اتفاق، كما لا تقوم على قبول كل اتفاق. المعيار يجب أن يكون مضمون الاتفاق ونتائجه. إذا كان القرار يضر بالمصلحة العامة، فليُنتقد. وإذا كان يخدم المؤسسات والمواطن، فلا ينبغي رفضه فقط لأن الحزبين اتفقا. وإذا اختلفا في قضية تمس مستقبل كوردستان، فمن حق المعارضة أن تضغط باتجاه التفاهم. أما أن يصبح الخلاف مشكلة، والاتفاق مشكلة أخرى، فهنا يفقد الخطاب المعارض جزءًا من قوته أمام المواطن.
قوة المعارضة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في قوة الحجة، المعارضة القوية ليست التي ترفض كل شيء، ولا التي تبحث عن الخطأ في كل خطوة، وإنما التي تستطيع أن تقول: هنا الحكومة أخطأت، وهنا أصابت، وأن تقول: هنا الحزب أخطأ، وهنا كان موقفه صحيحًا، وأن تقول: نختلف مع هذا القرار، لكننا نؤيد القرار الآخر لأنه يخدم المواطن.هذه هي السياسة. أما أن يكون الموقف السياسي قائمًا على قاعدة «نحن ضدكم مهما فعلتم»، فهذا لا يقدم للمواطن مشروعًا ولا بديلًا.
أما أن تصبح المعادلة: إن اختلفا هاجمناهما… وإن اتفقا هاجمناهما. فهنا من حق المواطن أن يسأل عن المعيار الذي تقيس به بعض المعارضة مواقفها، كوردستان لا تحتاج إلى معارضة تراقب فقط: من يجلس مع من؟ بل تحتاج إلى معارضة تراقب: من يفعل ماذا؟ ولماذا؟ وما النتيجة على المواطن؟ فالمعارضة ليست غاية بحد ذاتها، كما أن الحكومة ليست غاية بحد ذاتها. الغاية هي كوردستان، ومؤسساتها، ومصلحة شعبها.