حين يتحول السلاح إلى شركة..الخطر الذي يبدأ بعد نزع السلاح

أنس الشيخ مظهر

في كل مرة يُفتح فيها ملف نزع سلاح الفصائل في العراق، تنشغل الكاميرات والتصريحات بالصواريخ والمخازن والمقرات، وكأن القصة كلها عن حديد وبارود. لكن أحداً لا يسأل السؤال الأخطر وهو “إلى أين يذهب النفوذ؟ فالسلاح قد يُسلَّم، لكن الشبكة التي بناها لا تتبخر، هي فقط تبحث عن جسد جديد تسكنه”.

الأرجح أن الطريق الذي ستسلكه هذه القوى ليس التخلي عن نفوذها ، بل تبديل الأداة التي تحميه….

فبدل الفصيل الذي يحمل السلاح، ستظهر شركة تحمل ختماً رسمياً..

وبدل نقطة التفتيش، سيوقع عقد حكومي..

وبدل المسلح، سيجلس مستثمر ببدلة أنيقة على طاولة المفاوضات وكأنه لم يكن يوماً جزءاً من معادلة القوة.

ان المشكلة ليست في أن يفتح مقاتل سابق شركة أو يدخل عالم التجارة، فهذا حقه كأي مواطن. المشكلة تبدأ حين تتحول علاقاته السياسية والأمنية التي بناها زمن السلاح إلى ميزة تنافسية لا يملكها غيره , حين لا يدخل السوق برأس ماله وخبرته، بل بقدرته على فتح الأبواب المغلقة أمام الآخرين. عندها سيكون السؤال :- “هل السوق أصلاً عادل؟”.

فالشركة التي تفوز بعقد بفضل نفوذ سياسي سابق لم تستبدل السلاح بالتجارة، بل هرّبت جزءاً من قوتها من خارج القانون إلى داخل الاقتصاد الرسمي، وغسلته هناك.

ان النفوذ الاقتصادي لا يحتاج إلى امتلاك قطاع بأكمله. يكفي التحكم بنقاط الاختناق “ منفذ حدودي، شركة تخليص جمركي، مستودع تبريد يمر منه استيراد مادة معينة، أو حصة في شركة نقل تخدم محافظة كاملة” . من يمسك بهذه الحلقات الضيقة يتحكم في كل ما يمر عبرها دون أن يمتلك شيئاً ظاهرياً يثير الشبهة.

ولم يعد لازماً تهديد منافس أو إغلاق بابه بالقوة. يكفي أن تتأخر معاملته شهرين إضافيين، أو تُطلب منه أوراق لا تُطلب من غيره، أو يُعاد فتح مناقصة “لأسباب فنية” حين يقترب من الفوز بها. هذا النوع من العرقلة البيروقراطية لا يترك أثراً يمكن تجريمه، لكنه فعّال تماماً كالسلاح، بل أكثر أماناً لمن يستخدمه.

ومن أخطر أوجه هذا التحول أن الشركة الجديدة لا تُستخدم فقط لكسب المال، بل لتنظيف مال موجود أصلاً؛ أموال تجمعت زمن السلاح من موارد غير رسمية ، فتحتاج “غسلاً” اقتصادياً يمنحها شرعية.

وحين يضيق الخناق محلياً، يتجه النفوذ نحو الاستثمار الخارجي، عقارات في دول الجوار أو أبعد، حسابات وشركات واجهة تُسجَّل بأسماء أقارب أو وسطاء. هذا لا يحمي المال من الرقابة المحلية فقط، بل يمنح صاحبه شبكة أمان دولية إن ضاقت عليه الأرض في الداخل، ويجعل تعقب الثروة الحقيقية شبه مستحيل على أي جهاز رقابي محلي.

واللحظة الحقيقية للخطر ليست حين يملك شخص واحد عدة شركات، بل حين تتشكل حوله منظومة من المقاولين والمصرفيين والموظفين وأصحاب النفوذ الإعلامي، كل واحد منهم له مصلحة صغيرة في بقاء النظام القائم. عندها لا تعود المواجهة مع شخص أو فصيل، بل مع نسيج مصالح متشابك يدافع عن نفسه تلقائياً، لأن كل طرف فيه يخسر لو انهار الهيكل.

وكثير من هذه الشبكات لا تكتفي بالاستثمار الاقتصادي الصرف، بل توازيه بأذرع خيرية واجتماعية وإعلامية . هذه الأذرع لا تحقق ربحاً مباشراً، لكنها تعيد تلميع الصورة العامة لأصحاب النفوذ، وتحوّل الشك الشعبي إلى امتنان محلي، وهو غطاء اجتماعي يصعب على أي قانون أن يخترقه.

والسلاح مرتبط بجيل ولحظة سياسية معينة، أما الشركة والعقار والحصة التجارية فتعيش بعد أصحابها الأصليين لاجيال . حين ينتقل النفوذ من قائد فصيل إلى ثروة عائلية تُدار من الأبناء والأصهار، يتحول من ظاهرة أمنية عابرة إلى بنية اقتصادية دائمة، لا تحتاج شرعية السلاح لتستمر، بل شرعية المال وحدها تكفيها.

ان نجاح نزع السلاح لا يُقاس بعدد القطع التي خرجت من المخازن، بل بقدرة الدولة على منع الامتيازات التي وُلدت في ظل القوة المسلحة من أن تتسلل إلى الاقتصاد الرسمي وتتجذر فيه. المطلوب ليس منع من يحمل خلفية سياسية أو أمنية من ممارسة العمل التجاري فهذا حق طبيعي، بل ضمان أن يخضع الجميع للقواعد نفسها، وأن لا يتحول النفوذ السابق إلى مفتاح للوصول إلى المال العام، وأن تتوفر شفافية حقيقية في العقود والمناقصات تكشف تضارب المصالح قبل توقيع العقد لا بعده، إلى جانب الكشف الإلزامي عن المستفيد الحقيقي خلف كل شركة تتقدم لعقد أو امتياز كبير، بحيث لا تبقى الأسماء الحقيقية مختبئة خلف واجهات قانونية.

فالسيادة لا تُقاس باحتكار الدولة للسلاح وحده، بل بقدرتها على حماية قواعد اللعبة الاقتصادية من أن تُخترق بنفوذ لم يُكتسب بالمنافسة، بل بالقوة التي كانت بالأمس تحمل بندقية.

وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن ينتبه لها العراق وهي مواجهة الفصيل حين يكون مسلحاً وواضح الملامح قد تكون امرا ميسرا . أما حين يتحول ذلك النفوذ إلى شركات وعقود وأصول وشبكة مصالح متجذرة داخل مؤسسات الدولة نفسها، فإن المواجهة تصبح أشبه بمطاردة ظل لا شكل ثابت له.

ونزع السلاح الحقيقي لا ينتهي بلحظة تسليم البندقية، بل يبدأ فعلياً بعدها، حين تُختبر قدرة الدولة على منع تحوّل قوة الأمس إلى امتياز اقتصادي أبدي. فالخطر ليس أن يصبح رجل السلاح رجل أعمال، بل أن يظل السلاح السابق حتى بعد تسليمه، هو رأس المال الخفي الذي يمكّن صاحبه من امتلاك السوق بأكمله.

قد يعجبك ايضا