بأيِّ لغةٍ تتكلمين.. أنتِ عراقية!

د. نادية الجدوع

ليست كلُّ الجمل تُقال لكي تُنسى

بعضُ الكلمات، على قِصرها، تمتلك قدرةً غريبةً على أن تفتح أبوابًا واسعةً من المعنى؛ لأن الكلمة حين تلامس الهوية، لا تعود مجرد صوتٍ عابر، بل تصبح سؤالًا عن الانتماء، والذاكرة، والمكان، وما الذي يبقى من الوطن في الإنسان حين يبتعد عن أرضه.

وفي مشهدٍ نُقل عن مؤتمر صحفي لرئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في برلين، وردت عبارة نسبت إليه ردًّا على صحفية كوردية من أصل عراقي اعتذرت عن عدم تحدثها العربية، فقال لها: «بأي لغة تتكلمين؟ أنتِ عراقية». وقد تداولت العبارة مصادر إعلامية عراقية، بينما لم أعثر في المصادر الرسمية المتاحة على نصٍّ مكتوب مستقل يوثق الحوار كاملًا؛ لذلك تبقى نسبة العبارة إلى سياقها المتداول بحاجة إلى التمييز بين النقل الإعلامي والتوثيق الرسمي.

لكن قيمة الجملة، صحفيًا وإنسانيًا، لا تتوقف عند لحظة قولها. فالسؤال الحقيقي ليس: بأي لغة تتكلمين؟ السؤال الأعمق هو: ماذا يعني أن تكوني عراقية؟ المرأة العراقية لا تحتاج إلى مترجمٍ لهويتها العراقية التي تحمل اسم العراق في جواز سفرها ليست أقل عراقيةً لأنها تتحدث الكوردية، أو العربية، أو التركمانية، أو السريانية، أو أي لغةٍ أخرى.

العراق أوسع من لغةٍ واحدة وهو أعمق من لهجة. وأقدم من حدودٍ مرسومة على خريطة. العراق ذاكرةٌ متعددة الأصوات، والمرأة العراقية واحدة من أكثر صفحات هذه الذاكرة كثافةً وحضورًا. هي ابنة بغداد، وامرأة البصرة، وكوردستان، ونينوى، والأنبار، وكربلاء، والنجف، وديالى، وواسط، وميسان، وذي قار، وصلاح الدين، وبابل، وكركوك، وكل شبرٍ كتب على وجهه العراقيون حكايةً من حكايات البقاء.

ولهذا فإن السؤال عن لغة المرأة العراقية يجب ألا يتحول إلى سؤالٍ عن مقدار عراقيتها. فالهوية لا تُقاس بلسانٍ واحد. الهوية تُبنى بالانتماء، والذاكرة، والعمل، والمسؤولية، والقدرة على أن تقولي: هذا وطني، وهذه قصتي فيه.

من برلين إلى بغداد… المسافة أقصر مما تبدو ربما لم تكن العبارة، في سياقها المباشر، أكثر من ردٍّ عفوي على موقفٍ عابر. لكن الصحافة لا تقرأ الكلمات فقط؛ إنها تقرأ ما وراء الكلمات. وبرلين هنا ليست مجرد مدينة أوروبية. إنها لحظةٌ يظهر فيها العراق أمام الخارج، ويحضر معه سؤال صورته، ولغته، وشعبه، ونسائه، وكفاءاته. وعندما تقف امرأة عراقية في فضاءٍ دولي، فإنها لا تحمل سيرتها الشخصية وحدها. إنها تحمل معها جزءًا من صورة العراق. وحين تتحدث العراقية في المحافل الدولية بلغة العالم، فإنها لا تتخلى عن عراقها. بل ربما تفعل العكس تمامًا: تأخذ العراق إلى العالم. هذه هي النقطة التي ينبغي ألا نغفل عنها.

فالمرأة العراقية اليوم ليست مطالبةً بأن تختار بين هويتها وكفاءتها، ولا بين عراقها والعالم. بإمكانها أن تكون عراقيةً بكل جذورها، وعالميةً بكل أدواتها. أن تتحدث لغة التكنولوجيا، ولغة الاقتصاد، ولغة القانون، ولغة الدبلوماسية، ولغة البحث العلمي، ثم تعود في نهاية كل ذلك إلى الجملة الأولى: أنا عراقية.

رسالة إلى كل امرأة عراقية

أيتها العراقية… لا تجعلي أحدًا يقنعكِ بأن حضوركِ في العالم يحتاج إلى اعتذار.
ولا تجعلي اختلافكِ في اللغة أو الثقافة أو المنطقة أو الرأي سببًا للتنازل عن حقكِ في أن تكوني حاضرة. أنتِ لستِ هامشًا في قصة العراق. أنتِ جزءٌ من المتن. كنتِ في البيت حين كان الوطن يتعب. وفي الجامعة حين كان العلم يقاوم.
وفي المستشفى حين كان الألم أكبر من الكلمات. وفي المدرسة حين كان الطفل يحتاج إلى من يعلّمه معنى الغد. وفي مؤسسات الدولة، وفي القضاء، والطب، والهندسة، والإعلام، والاقتصاد، والفن، والأمن، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، وفي كل مساحةٍ استطاعت المرأة العراقية أن تترك فيها أثرًا.

والعراق الذي يريد أن يبني مستقبله لا يستطيع أن يبنيه بنصف طاقته. ولهذا فإن الحديث عن المرأة العراقية ليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن الدولة. إنه جزء من سؤال الدولة نفسها: كيف يريد العراق أن يكون بعد عشر سنوات؟

لا يكفي أن نحتفي بالمرأة… يجب أن نفتح لها الطريق

في تموز/يوليو 2026، تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي في المؤتمر الثامن عشر لليوم الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة عن رعاية المرأة وأهميتها في التنمية، وعن تطوير إمكاناتها العلمية والمعرفية وتوليها المواقع القيادية، كما أعلن العمل على إعادة تشكيل المجلس الأعلى للمرأة وتفعيله برؤية جديدة. وهنا ينتقل الحديث من العبارة إلى الاختبار فالمرأة لا تحتاج إلى كلماتٍ جميلة فحسب.
تحتاج إلى تعليمٍ نوعي.وتحتاج إلى فرصٍ اقتصادية حقيقية. وتحتاج إلى حمايةٍ قانونية فعّالة. وتحتاج إلى مساحاتٍ عادلة في مواقع القرار. وتحتاج إلى بيئةٍ لا تجعل الابتزاز والعنف والإقصاء ثمنًا تدفعه مقابل حضورها.

وقد شدد الزيدي في الكلمة نفسها على حماية النساء من الاعتداء والابتزاز، وعلى مسؤولية المجتمع والحكومة والدولة في احترام حقوق المرأة وحمايتها. هذه القضايا لا تُحسم بالشعارات. إنها تحتاج إلى مؤسسات، وتشريعات، وموازنات، وبرامج، ومؤشرات قياس، ومساءلة، ونتائج يمكن للمرأة العراقية أن تراها في حياتها اليومية. عراقية… حتى عندما تتحدثين بلغة العالم

أيتها العراقية التي درستِ في بغداد ثم حملتِ شهادتكِ إلى برلين… أيتها الطبيبة التي دخلتِ غرفة العمليات… أيتها المهندسة التي ترسمين مشروعًا جديدًا… أيتها الباحثة التي تكتبين اسم العراق في مجلة علمية… أيتها الفنانة التي تضعين دجلة والفرات في لوحة… أيتها الصحفية التي تقفين أمام الكاميرا… أيتها رائدة الأعمال التي تبنين مشروعًا من الصفر… أيتها الموظفة التي تفتحين باب الدائرة قبل أن يصل المراجعون… أيتها الأم التي تعلّم طفلها أول حرف… وأيتها الشابة التي ما زالت تبحث عن فرصتها الأولى… لا أحد يملك حق اختصار عراقكِ في طريقة نطقكِ.

يمكنكِ أن تتحدثي العربية. يمكنكِ أن تتحدثي الكوردية. يمكنكِ أن تتحدثي الإنكليزية أو الألمانية أو الفرنسية. يمكنكِ أن تتحدثي بلغة العلم. بلغة الفن. بلغة الاقتصاد. بلغة التكنولوجيا. بلغة المستقبل. وفي كل مرةٍ تفعلين ذلك، لا تنسي أنكِ لا تخرجين من العراق. أنتِ تأخذين العراق معكِ. العراق الذي نريده لا يسأل المرأة: من أين أنتِ؟ بل يسألها: ماذا تستطيعين أن تصنعي؟ هذه هي النقلة التي تحتاجها الدولة والمجتمع معًا. أن ننتقل من النظر إلى المرأة باعتبارها عنوانًا للاحتفال الموسمي، إلى النظر إليها باعتبارها قوةً بشريةً واقتصاديةً وعلميةً وسياسيةً وثقافيةً. أن تصبح المرأة في مركز التخطيط، لا في هامش الصور.

في غرفة القرار، لا في صفوف المتفرجين. في صناعة السياسات، لا مجرد موضوعٍ للسياسات. وفي الاقتصاد المنتج، لا مجرد مستهلك. وفي التكنولوجيا، لا مجرد مستخدمة. وفي الإعلام، لا مجرد ضيفة. وفي السياسة، لا مجرد رقمٍ انتخابي. «أنتِ عراقية»… جملةٌ أكبر من معناها المباشر ربما كانت الجملة قصيرة. لكن العراق نفسه لم يكن يومًا قصيرًا. العراق بلدٌ متعدد اللغات والثقافات والأديان والقوميات والتجارب. ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله الدولة الحديثة ليس أن تجعل الجميع نسخةً واحدة، بل أن تجعل التعدد قوةً تحت سقف المواطنة.

وعندما تكون المرأة العراقية في برلين، أو باريس، أو لندن، أو نيويورك، أو أي عاصمةٍ أخرى، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل ما زالت عراقية؟ بل: كيف يستطيع العراق أن يجعل من كفاءتها جسرًا بينه وبين العالم؟ هنا يبدأ المعنى الحقيقي للهوية. وهنا تصبح المرأة العراقية ليست مجرد حاملةٍ لجواز سفر عراقي، بل حاملةً لصورة العراق في العالم.

والرسالة الأخيرة… أيتها المرأة العراقية… لا تعتذري عن لغتكِ. ولا عن لهجتكِ. ولا عن مدينتكِ. ولا عن كورديتكِ، أو عربيتكِ، أو تركمانيتكِ، أو سريانيتكِ. ولا عن علمكِ. ولا عن طموحكِ. ولا عن كونكِ امرأةً تريد أن تصل. فالعراق لا يكبر عندما تتشابه نساؤه. العراق يكبر عندما تتقدم نساؤه، كل واحدةٍ منهن بلغتها، وثقافتها، وتجربتها، وكفاءتها، تحت راية وطنٍ واحد. ومن برلين إلى بغداد، تبقى الرسالة واحدة:

تحدثي باللغة التي تعرفينها…اكتبي باللغة التي تؤمنين بها… اصنعي المستقبل باللغة التي يفهمها العالم… لكن حين يسألكِ أحدٌ: من أنتِ؟ لا تحتاجين إلى ترجمة. قوليها بفخر وهدوءٍ يليق بتاريخ بلدكِ: أنا عراقية!

قد يعجبك ايضا