فاضل ميراني*
الحرب هي استعداد مجتمعي قبل ان تكون رغبة سياسية، و الاستعداد المجتمعي لها ليس فطريا، بل ان تأثير السلطات على تنوعها هو من يحفّز ذلك الاستعداد، و من احدى وسائل التأثير هي الدعاية و التثقيف لها، عبر استدعاء ملفات من حكايات الماضي او خلق فكر استعدائي، لكن النقطة التي لا يتم تحديدها هي : لمن ستكون مغانمها و على من تقع مغارمها؟
الحروب مرتبطة بالبشرية، و مع نمو وعي البشرية نمت حجج الحروب، تغيرت خرائط و ابتلعت الارض و البحار اجسادا و نشّف دماء ما لا يُحصرُ عدده من ضحاياها، و تشكلت طبقات مجتمعية جديدة بعدها و انهارت بسببها طبقات.
جناح سياسيي الغرب الطامحين للحروب يؤطرون قيامها بحفظ المصالح، و جناح الشرقيين يضعها ضمن عنوان العقائد، هذان ابرز عنوانين لكلا خصمي النزاع في جيله الحالي، حتى مع حقيقة التراجع في اغلب المعسكر الشرقي عن التمكّن من خلق حلقة مصالح اكتفائية في السلع و الخدمات، عبر بناء اقتصاد مستقر.
القضية بجذورها اصعب من ان يتم الحديث بمقال و لا بكتاب، فهي حكاية صراع موغل في البعد من الماضي البشري فرديا و جماعات لغياب روادع الاخلاق و غياب الوعي او توجهه نحو اهداف للحيازة و التملك.
لكن الحرب هي الحرب مهما تغيرت ادواتها و مهما سيقت لها من حجج، هي نادٍ لخراب، لا تقف حدود خساراتها على فرد او بقعة من ارض او زمن، هي حدث مُغيّر في بقعة حياتية متنقلة، ذلك ان السلام هو الاساس و الحرب هي الاستثناء و ذلك لان العلاقات الانسانية المسيسة و المستقلة مثلما تزدهر في السلم فهي تتضرر في الحرب.
الحروب تنتج قرارات و تمتد اثارها، و اغلبنا يتذكر مآسي حروب العراق الداخلية و منها حروبه ضد حركتنا التحررية، و حروبه الاقليمية، حيث تم ازاحة مواليد بأغلبها من الوجود لتدخل جغرافيا المقابر و تدخل تاريخا متباينا في الحكم الشرعي و التوصيف الرسمي غير الثابت، فهم مرة شهداء و مرة قتلى الطاعة او قتلى الواجب، و اهلهم مرة يُكرمون و مرة يخفون ان لهم قتيل حرب، و ايتامهم عاشوا هذا التبدل في المشاعر و استلام الحقوق.
الحرب عندما تكون عقيدة فهي قضية في غاية الخطورة، اي حرب هي خطورة، و مغامرة لا تسد خساراتها لا التعويضات و لا الاقناعات الاجيرة دينيا او مذهبيا او ادبيا حماسيا لجعلها القرار السليم، فبالاخير نحن امام مصير انسان ميت و احياء بين مصاب بجسمه او مشاعره، و لا ثبات سياسيا مستمرا لتكريس النصر نصرا و الخسارة تضحية، فالسياسة ايضا تمتلك محفزات ضخ النسيان و التذكر بحسب المصالح.
الحرب في مناطق في العالم مثل منطقتنا التي هي بالاساس هشة الاقتصاد لها من الاثار ما للنار على الزرع اليابس، لا تحتاج الا قليل الوقت لتأكله، و كلام الذين يطمطمون عن آثارها و يقدمون الوعود الاخروية لجزائها، لن يكون رغيف خبز لجائع و لا خيمة لهارب و لا ثوبا لعريان و لا دواء لجريح، ذلك ان المصلحة متى لبست ثوب العقيدة صارت تجارة، فعلى الفرد ان يحذر من فخ تجار العقيدة.
تجار الحروب متنعمون بحقوقكم، لا يذهبون للمعارك التي يريدونها لكم، لا يجتمعون معكم في اثار مآس هم صنعوها لكم، وهم مثل امثالهم القدماء يحيكون الكلام حياكة لتبرير افعالهم متقافزين في التاريخ و قصصه، لكنهم لايقبلون ان تنطبق عليهم احكام مبجلي العقائد.
هم يكيفون مصالحهم حسب حاجاتهم لا حسب مصالحكم.
*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.