متابعة ـ التآخي
لم تعد موجات الحرارة الشديدة ظاهرة مرتبطة بأشهر الصيف فقط، إذ كشف تحليل جديد لـ 45 عاما من بيانات المناخ العالمية أن موسم الحرارة الشديدة أصبح أطول في نحو نصف مساحة اليابسة حول العالم، مع امتداد موجات الحر في مناطق مختلفة إلى الربيع أو الخريف.
وأظهرت الدراسة أن موسم الحرارة الشديدة امتد منذ ثمانينات القرن الماضي في نحو 50% من مساحة اليابسة العالمية، عندما يتعلق الأمر بالحرارة الجافة الشديدة، بينما امتد موسم الحرارة الرطبة الشديدة في نحو 48% من مساحة اليابسة.
واللافت أن هذا التغير لم يحدث بالطريقة نفسها في جميع المناطق؛ ففي بعض الأماكن أصبحت موجات الحرارة تمتد أكثر نحو الخريف، بينما شهدت مناطق أخرى زيادة أكبر في الحرارة الشديدة خلال الربيع.
ويشير الباحثون إلى أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة وحده لا يفسر بصورة كاملة هذا الاختلاف الموسمي، ما يعني أن عوامل أخرى، من بينها الرطوبة واستخدامات الأراضي وأنماط الطقس واسعة النطاق، قد تلعب دورا في إعادة تشكيل موسم الحرارة الشديدة.
وقادت الدراسة كاثرين إيفانوفيتش، عالمة المناخ في معهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة ناسا، بالتعاون مع بنيامين كوك من المعهد نفسه وسونالي شوكلا ماكديرميد من جامعة نيويورك.
وبدلا من افتراض أن أشهر الصيف الثلاثة تمثل موسم الحرارة الشديدة في جميع أنحاء العالم، طور الباحثون تعريفا خاصا لموسم الحر لكل منطقة. وحدد الفريق الأيام التي كانت ضمن أعلى 5% من درجات الحرارة خلال الفترة المرجعية من 1980 إلى 1989، ثم حدد الأشهر الثلاثة المتتالية التي شهدت أكبر عدد من تلك الأيام.
وعد الشهران السابقان واللاحقان لتلك الفترة بمثابة موسمي الربيع والخريف في المناطق التي تتمتع بأربعة فصول. وطبق الباحثون الطريقة نفسها على نوعين من الحرارة: الحرارة الجافة، التي تعتمد على درجة حرارة الهواء، والحرارة الرطبة، التي تأخذ في الاعتبار تأثير الرطوبة وأشعة الشمس إلى جانب درجة الحرارة، لأنها تعكس بصورة أفضل الضغط الحراري الذي يتعرض له جسم الإنسان.
واعتمد التحليل على بيانات من نظام MERRA-2 التابع لناسا، إلى جانب بيانات ERA5 الأوروبية، وأظهرت مجموعتا البيانات نمطا متقاربا إلى حد كبير. وحتى في المناطق المدارية، ظهر موسم واضح للحرارة الشديدة.
وعلى مستوى نحو 93% من مساحة اليابسة العالمية، حدث أكثر من 80% من أيام الحرارة الجافة الشديدة التي سجلت فيثمانينات القرن الماضي داخل الأشهر الثلاثة التي حددها الباحثون بصفتها موسم الحر الرئيس.
قارن الباحثون بيانات الثمانينات ببيانات الفترة بين 2015 و2024، ووجدوا أن موسم الحرارة الجافة الشديدة أصبح أطول في نحو 50% من مساحة اليابسة العالمية، بينما امتد موسم الحرارة الرطبة الشديدة في نحو 48% من مساحة اليابسة.
وفي معظم المناطق التي شهدت هذا التمدد، لم يكن التوسع متساويا على جانبي الموسم.ففي مناطق من غرب الولايات المتحدة وشرق الصين وشمال أفريقيا وشرق أوروبا، زادت نسبة أيام الحرارة الشديدة التي تحدث بعد نهاية موسم الحر التقليدي بصورة أكبر من الأيام التي ظهرت قبل بدايته. وفي المقابل، شهدت مناطق من غرب أوروبا وجنوب أفريقيا وشمال غربي الهند امتدادا أكبر للحرارة الشديدة باتجاه الربيع.
أما في أجزاء من شرق روسيا، فقد أصبح موسم الحرارة الشديدة أقصر مما كان عليه خلال ثمانينات القرن الماضي. وهذا التباين الجغرافي هو أحد أبرز نتائج الدراسة، إذ لا يظهر أن تغيرا عالميا موحدا يفسر الطريقة التي تتحرك بها حدود موسم الحر في كل منطقة.
وكشفت الدراسة أيضا عن اختلاف بين تطور الحرارة الجافة والحرارة الرطبة في بعض المناطق. وتبرز مدينة فينيكس الأميركية مثالا واضحا على ذلك. فقد بدأ موسم الحرارة الجافة الشديدة في المدينة خلال شهر حزيران، بينما بدأ موسم الحرارة الرطبة بعد ذلك بنحو شهر، في تموز.
وفي ثمانينات القرن الماضي، وقعت 99% من أيام الحرارة الجافة الشديدة في فينيكس في داخل موسمها التقليدي، ولم تسجل أي أيام من هذا النوع بعد نهايته.
لكن خلال الفترة من 2015 إلى 2024، أصبحت نحو 6% من أيام الحرارة الجافة الشديدة تقع بعد نهاية الموسم. كما تحرك متوسط توقيت الأيام الأشد حرارة وجفافا في المدينة بنحو 10 أيام إلى وقت لاحق من العام، بينما تحركت ذروة الحرارة الرطبة الشديدة بنحو 5.5 أيام إلى وقت أبكر. وبذلك أصبح موسم الحرارة الجافة يمتد إلى وقت لاحق، بينما بدأ موسم الحرارة الرطبة في وقت أبكر.
وفي صيف 2024، سجلت فينيكس 113 يوما متتاليا تجاوزت فيها درجات الحرارة 100 درجة فهرنهايت، أي نحو 38 درجة مئوية، ثم شهد تشرين الاول 21 يوما متتاليا من درجات الحرارة القياسية. وفي مقاطعة ماريكوبا، التي تضم مدينة فينيكس، جرىتسجيل 608 وفيات مرتبطة بالحرارة خلال ذلك العام.
واللافت أن 46% فقط من تلك الوفيات حدثت في تموز، وهو عادة أكثر أشهر العام حرارة، مقارنة بـ 64% في العام السابق، ما يشير إلى أن مخاطر الحرارة القاتلة أصبحت موزعة على فترة أطول من العام.
قد يظهر للوهلة الأولى أن تمدد موسم الحرارة الشديدة نتيجة طبيعية لارتفاع متوسط درجات الحرارة. فكلما أصبح العالم أكثر دفئا، يصبح من الأسهل تجاوز العتبات التي كانت تعتبر في السابق شديدة الحرارة خلال أشهر إضافية. لكن الباحثين وجدوا أن هذه الفرضية لا تفسر كل ما يحدث.
ولاختبار ذلك، أخذ الفريق بيانات الطقس لكل موقع في ثمانينات القرن الماضي، ثم أضاف إليها مقدار الارتفاع في متوسط درجة الحرارة السنوي منذ ذلك الوقت، وحسب كيف كان من المفترض أن تتوزع أيام الحرارة الشديدة نتيجة الاحترار وحده. وفي معظم أنحاء العالم، نجحت هذه الطريقة في تفسير جزء من التغير داخل موسم الحرارة نفسه، لكنها لم تفسر التغير عند حدود الموسم، أي في الربيع والخريف.
ووجد الباحثون أن نحو 80% من مساحة اليابسة العالمية لم يتطابق فيها توزيع التغير بين الربيع والخريف مع النمط الذي كان متوقعا من الاحترار وحده