نبيل عبد الأمير الربيعي
خير الكلام… أن تكون الدولة صاحبة الكلمة الأخيرة، وليس العراق بحاجة إلى اتفاق جديد بين القوى المتنفذة بقدر حاجته إلى قاعدة سياسية واضحة: الحكومة مسؤولة عن إدارة الدولة، والمؤسسات الدستورية هي صاحبة الاختصاص، والقانون هو المرجعية التي لا تعلو عليها إرادة حزب أو فصيل أو زعيم.
قد يبدو هذا الكلام بديهياً في أي دولة مستقرة، لكنه في العراق ما زال يمثل سؤالاً سياسياً مفتوحاً: من يملك القرار حين تتعدد مراكز القوة، وتتداخل مصالح الأحزاب مع مصالح الدولة، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية؟
هذه هي العقدة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول مستقبل العراق. فلو أتيح للحكومة أن تعمل بعيداً عن الضغوط الحزبية والفصائلية، وتحولت العلاقة بين القوى السياسية ورئيس الوزراء من علاقة إملاء وضغط إلى علاقة رقابة ودعم ومساءلة، فإن البلاد ستكون أمام فرصة حقيقية لاستعادة قدر من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن تتوقف القوى السياسية عن ممارسة دورها؛ فالأحزاب جزء من النظام الديمقراطي، والبرلمان يمارس الرقابة والتشريع، والمعارضة حق مشروع. لكن الفارق كبير بين الرقابة على الحكومة والتدخل في قراراتها، وبين المشاركة السياسية والتصرف كسلطة موازية للدولة.
العراق بلد متعدد القوى والمرجعيات والاتجاهات، وهذا التعدد ليس مشكلة بحد ذاته. المشكلة تبدأ عندما يصبح لكل قوة مجال نفوذ خاص، ولكل جهة حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بينما تبقى الدولة مطالبة بالتوفيق بين الجميع. فكيف يمكن لثلاثة أقاليم سياسية، ومرجعيات متعددة، وشبكات مصالح متقاطعة، أن تتحرك في اتجاه واحد ما لم تتفق أولاً على قاعدة واحدة: الدولة فوق الجميع؟
إنّ التوافق السياسي مطلوب لحماية النظام الديمقراطي، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح وسيلة لتعطيل القرار الحكومي أو توزيع المناصب والموارد أو حماية المصالح الخاصة. الدولة لا تُبنى بالتوازن بين مراكز القوة، وإنما بتوحيد المرجعية التي يحتكم إليها الجميع. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي: من هو الأقوى داخل النظام السياسي؟ بل: هل يستطيع النظام السياسي أن يجعل مؤسسات الدولة أقوى من مراكز النفوذ؟
السلاح والقرار الوطني
في قلب هذه المسألة يأتي ملف السلاح. فالدولة الحديثة تحتاج إلى مرجعية واحدة في الشأن الأمني والعسكري، وإلى وضوح في الجهة التي تتخذ قرار استخدام القوة وتتحمل مسؤولية نتائجه. ولا يتعلق الأمر بإنكار تضحيات القوى التي قاتلت الإرهاب، ولا بإلغاء دور أي مكوّن سياسي، وإنما بمبدأ عام: أن يكون السلاح والقرار الأمني ضمن منظومة الدولة والقانون. فحين تتعدد الجهات القادرة على استخدام القوة أو التأثير في القرار الأمني، تصبح سيادة الدولة ناقصة، وتزداد احتمالات انتقال الخلافات السياسية إلى المجال الأمني. ومن هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس موقفاً موجهاً ضد جماعة أو حزب، بل هو جزء من بناء دولة القانون، التي يكون فيها الخلاف السياسي محكوماً بالمؤسسات لا بموازين القوة.
لكن المشكلة العراقية لا تنفصل عن محيطها. فالعراق يرتبط بالولايات المتحدة بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية، وفي الوقت نفسه تربطه بإيران علاقات جغرافية وتجارية واجتماعية وسياسية عميقة. ولذلك فإن أي تصعيد بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على العراق.
وهنا تكمن حساسية المرحلة المقبلة. إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في خفض مستوى التوتر الأمريكي- الإيراني، فقد يجد العراق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يحافظ على مصالحه مع الطرفين من دون أن يتحول إلى ساحة للصراع بينهما؟ الخطر لا يكمن فقط في احتمال تعرض الأراضي العراقية لهجمات أو ردود عسكرية، بل في أن يصبح الانقسام الداخلي قناةً لتلقي الصراع الخارجي. ولهذا فإن أفضل حماية للعراق في مواجهة الضغوط الإقليمية تبدأ من تماسك قراره الداخلي، ومن سياسة خارجية تضع المصلحة العراقية في مقدمة الحسابات.
لا واشنطن ولا طهران بديلاً عن بغداد
من حق العراق أن يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، كما أن من حقه أن يحافظ على علاقاته مع إيران، ما دامت هذه العلاقات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة. لكن العلاقات الخارجية شيء، وتحويل العراق إلى ساحة نفوذ شيء آخر. السياسة الخارجية المتوازنة لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع في كل قضية، وإنما تعني أن يكون المعيار الأول هو المصلحة العراقية. فلا ينبغي أن يدخل العراق حرباً من أجل الآخرين، ولا أن يسمح باستخدام أراضيه منصة للهجوم على دول أخرى، ولا أن تتحول قوى عراقية إلى أدوات في نزاع لا يقرر العراقيون مساره ولا نتائجه. وهنا تصبح السيادة ممارسة سياسية، لا مجرد عبارة تتكرر في البيانات الرسمية.
الاقتصاد يدفع ثمن الانقسام السياسي
الاستقرار السياسي ليس قضية نخبوية؛ المواطن هو أول من يدفع ثمن غيابه، فأي اضطراب أمني ينعكس على الاستثمار، وأي صراع سياسي يربك القرارات الاقتصادية، وأي تدخل في مؤسسات الدولة يفتح أبواباً جديدة للفساد والمحسوبية. والعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة كي يتمكن من معالجة مشكلاته الاقتصادية، وتنويع مصادر دخله، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات. لكن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الدولة موزعة بين مصالح متنفذة. فالمشكلة ليست دائماً في نقص الموارد، وإنما في طريقة إدارة الموارد وتوزيعها، وفي قدرة المؤسسات على منع تحويل المال العام إلى أداة نفوذ سياسي.
ماذا بعد أيلول؟
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا بعد أيلول؟ ليس لأن الشهر يمثل حداً فاصلاً بذاته، بل لأن المرحلة المقبلة قد تكشف قدرة العراق على إدارة موقعه وسط التحولات الإقليمية والدولية. إذا هدأت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، فسيكون أمام العراق مجالاً أوسع لترتيب بيته الداخلي. أما إذا تصاعدت المواجهة، فإن العراق سيكون بحاجة إلى دولة أكثر تماسكاً، لا إلى مراكز قوة أكثر.
هنا تقع المسؤولية الأولى على القوى السياسية العراقية نفسها، فلا يمكن أن نطلب من الخارج احترام سيادة العراق بينما تبقى السيادة موضع تفاوض داخلي. ولا يمكن أن نطالب الدول الأخرى بعدم التدخل في شؤوننا، بينما نسمح للقوى الخارجية بأن تجد داخل العراق حلفاء ومراكز نفوذ قادرة على التأثير في القرار الوطني.
لا يحتاج العراق إلى معجزة كي يبدأ طريق الاستقرار، بل إلى اتفاق سياسي على مبادئ واضحة: أن تعمل الحكومة ضمن صلاحياتها الدستورية، وأن تكون الرقابة عليها مؤسسية، وأن يكون القرار الأمني وطنياً، وأن تُدار الموارد العامة بعيداً عن المحاصصة، وأن تقوم السياسة الخارجية على المصالح العراقية.
قد تبدو هذه المبادئ بسيطة، لكنها تمثل جوهر المشكلة العراقية، فالبلاد لا تعاني من نقص في القوانين والدساتير بقدر ما تعاني من فجوة بين النص والممارسة. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه القوى السياسية على نفسها: كيف نحافظ على نفوذنا؟ بل: كيف نحافظ على الدولة؟ فإذا بقيت الدولة قوية، تستطيع الأحزاب أن تختلف وتتغير وتتنافس. أما إذا ضعفت الدولة، فإن الجميع سيخسر، وإن بدا لبعض القوى أنها ربحت جولة من جولات النفوذ.
العراق لا ينبغي أن يكون ساحة لصراع الآخرين، ولا رهينة لصراعات مراكزه الداخلية. فالخروج من هذه الدائرة يبدأ من بغداد، من الاعتراف بأن الدولة ليست طرفاً بين الأطراف، بل هي الإطار الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع. وإذا كان هناك درس واضح من السنوات الماضية، فهو أن العراق لا يحتاج إلى مركز قوة جديد، بل إلى مركز قرار وطني واحد.
العراق أولاً… ليس شعاراً يقال عند الأزمات، بل قاعدةً تحكم السياسة والأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية.