الكورد الفيليون في مبحث لمؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية القسم الثاني

 

اعداد: عدنان رحمن

 

في مبحث بعنوان ( الأقليات في العراق- ” الذاكرة* الهوية* التحديات”) الصادر عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية عام 2014، من عمل الاستاذ سعد سلوم، ورد الكثير عن الاقليات في العراق، وقد اخترنا جزءاً مما ذكر عن الكورد الفيليين فيه، وذلك استناده الى عدة بحوث لاشخاص يرد اسمهم داخل الاصدار،و كما هو أدناه في القسم الثاني:

– ” جروح الذاكرة الفيلية: تحمل الذاكرة الفيلية جرح التشكيك بهويتها منذ تأسيس العراق الحديث، وعلى امتداد قرن مضى، ترتسم جروح التهجير القسري والتصفيات التي مارستها الأنظمة السياسية المتعاقبة عليها. أما الكورد في كوردستان العراق فلم يعانوا من إشكالية الهوية مثلما عانى منها الفيليون، فالدولة اعترفت بعراقيتهم، لكنها حاربتهم لأنهم كورد، ولأنهم يريدون حرية واستقلال كوردستان، سواء بالشكل الفدرالي، أم بانفصال كوردستان كدولة مستقلة، بينما الفيليون حرموا حتى من الاعتراف بهم كعراقيين. وقد تعرض الفيليون منذ عشرينيات القرن العشرين إلى ضربة في هويتهم من النظام الملكي، من خلال تشريع قانون الجنسية العراقية رقم (٤٢) لسنة ١٩٢٤، الذي قسّم المواطنين على درجتين (أولى وثانية)، وبموجبه عدّ العثماني عراقي الجنسية حكماً من (الفئة/ أ) بصفة أصلية، برغم انتمائه إلى تركيا العثمانية، والبلاد الخاضعة لها. في حين مُنح الفيلي التجنس من (الفئة/ ب) بصفة مكتسبة، وأن أثبت وجود أسرته في العراق منذ مئات الأعوام. فأصبح هناك عراقيون من التبعية العثمانية، وآخرون من التبعية الايرانية، واعترف فقط بالصنف الأول من المواطنة الأصلية وبحقوقها النابعة منها. وخلال نصف قرن يمتد بين الأعوام (١٩٤٠ – ١٩٩١)، تعرض الفيليون إلى سلسلة من عمليات التهجير، وأسقطت عنهم الجنسية العراقية لأسباب سياسية وعرقية وطائفية من الحكومات المتعاقبة على السلطة. (1) وبعد ثورة ١٤ تموز/١٩٥٨ جاء النظام الجمهوري الأول، ودستوره المؤقت الذي أكد قيام الشراكة الحقيقية بين العرب والكورد، فخفف ذلك مؤقتاً من واقع التمييز ضد الفيلية، وما أن جاء انقلاب البعث في ٨ شباط ١٩٦٣، الذي شارك الفيليون في التصدي له في مناطقهم في بغداد مثل؛ عكد الأكراد، وساحة النهضة، وباب الشيخ، والكاظمية، ولمدة أسبوع كامل، وراح جراء هذه المقاومة مئات الضحايا، وعلى إثرها زج بالآلاف منهم في المعتقلات من دون محاكمة أصولية، وتعرضوا للتعذيب والتصفية. وبعد ثلاثة أشهر من الانقلاب، شُرّع قانون الجنسية العراقية رقم (٤٣) لسنة ١٩٦٣، الذي كان أشد وطأة من سابقه، وكانت نصوصه أكثر تعسفاً، فترتب عليه إصدار سلسلة من قرارات إسقاط الجنسية عن الفيليين، من دون رقابة القضاء، واتسع نطاق التهجير القسري إلى الخارج. ومع وصول جناح جديد من حزب البعث ثانية إلى السلطة بانقلاب ١٧ تموز/١٩٦٨، بدأ الحكم الجديد عهده بتصفية خصومه ومعارضيه، لاسيما من قاوم انقلابه في العام ١٩٦٣، فعمل على التهجير المنظم للفيليين في الأعوام (١٩٦٩-١٩٧٠-١٩٧١)، لما يقرب من (٧٠.٠٠٠) مُهجر.وقد كانت الشرارة محاولة اغتيال في الجامعة المستنصرية لأحد رموز البعث آنذاك (طارق عزيز)، ونسب الاعتداء إلى ناشط سياسي معارض من أصول كوردية فيلية هو (سمير غلام)، فكان أول كبش فداء لحرب التهجيرات العظمى العام 1980 الفيليين إلى إيران، وإسقاط الجنسية العراقية دفعة واحدة لأكثر من (500.000) فيلي بحجة كونهم تبعية لإيران، فضلا عن مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة من دون تعويض، وإتلاف وثائقهم الثبوتية الرسمية، وعزل الشباب عن أسرهم، واحتجازهم في المعتقلات الرهيبة، وهم أكثر من (15.000-20.000) مغيب لم يعرف مصيرهم المجهول حتى الآن، وطردهم من الوظائف الحكومية، وتشجيع من تزوج بامرأة فيلية على تطليقها ترغيبا أو ترهيبا، وصولا إلى استعمال السموم والغازات الخانقة، وإجراء التجارب الكيميائية والمختبرية والبايولوجية وغيرها بحق أبنائهم المحتجزين. وصدرت بعد ذلك تشريعات تضيق الخناق عليهم، ولاسيما قرار مجلس قيادة الثورة المرقم (666) لسنة 1980، وحوصر نشاطهم الاقتصادي والتجاري، وجمدت أموالهم وممتلكاتهم وأرصدتهم المصرفية طيلة أيام الحرب، ووضعوا تحت المراقبة أمنياً واستخبارياً وحزبياً بوصفهم مشاريع محتملة لجواسيس وخونة وعملاء وطابور خامس. وقد بلغ عدد التشريعات التي صدرت ضد الفيليين أكثر من (30) قراراً لمجلس قيادة الثورة، فضلا عن تشكيل دائرة متخصصة بتصفية أموال المهجرين، تابعة لمجلس الوزراء آنذاك (1). ولم تتوقف عمليات التهجير القسري، إلا بعد غزو الكويت العام 1990، وهزيمة النظام في حرب الخليج الثانية، ولاسيما بعد صدور القرار رقم (688) في 5 / نيسان / 1991 الخاص بالوضع الإنساني في العراق، وفرض مناطق الحظر الجوي التي ترتب عليها وضع كوردستان المستقل منذ ذلك الوقت، فتجمدت سياسة التهجير. ومن ضمن تحديات ما بعد التغيير فقد واجه الفيليون لدى عودتهم إلى الوطن مشاكل إدارية معقدة في استعادة جنسيتهم، وكانت الأغلبية الساحقة منهم من المهجرين قسرا من العراق منذ العام 1980، وقسم منهم من كبار السن، والقسم الآخر قد توفي في المهجر، وأولادهم ولدوا أو كبروا في بلدان المهجر، وهم مثل أهلهم لا يملكون وثائق ثبوتية، والقسم الأكبر منهم لا يجيدون اللغة العربية، لذا يصعب على مثل هؤلاء السفر إلى العراق لمتابعة قضاياهم. ولم يتضمن عمل وزارة الهجرة والمهجرين خططا واستراتيجيات فاعلة لضمان عودة المهجرين ودمجهم في المجتمع، فالوزارة أفادت أنه في العام 2003، لم تعاد الجنسية سوى لنحو (20000) عائلة من الفيليين فقط، فيما قدرت أن ما لا يقل عن (100000) فيلي لا يزال من دون جنسية (2). إلى جانب أن هيئة دعاوى الملكية لم تواجه بكفاءة ملف إعادة ممتلكاتهم، ولم تنصف من صودرت ممتلكاته، لأن السلطات السابقة جردتهم من وثائق التملك التي تمكنهم من تبرير مطالبهم. وبالرغم من أن قانون إدارة الدولة المؤقت للعام 2004، قد نص في المادة (6): تتخذ الحكومة العراقية الانتقالية خطوات فاعلة لإنهاء آثار الأعمال القمعية التي قام بها النظام السابق، والتي نشأت عن التشريد القسري وإسقاط الجنسية ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، والفصل من الوظيفة الحكومية لأسباب سياسية أو عنصرية أو طائفية. مع ذلك أصدرت الحكومة المؤقتة توجيهاً رسمياً بعنوان (حالات التبعية الإيرانية)، وهو ما يعد استمرارا لذهنية النظام السابق في التعاطي مع المهجرين بوصفهم (أجانب)، وأن إعادتهم إلى المركز القانوني ما قبل التهجير تكون بصفة أجنبي مكتسب للتجنس على وفق قانون الجنسية العراقية رقم (43) لسنة 1963 الملغى، ويعد هذا تصنيفا لهم كمواطنين من الدرجة الثانية مجدداً. (3) ووضعت وزارة الداخلية تعليمات مشددة لإعادة الجنسية للمهجرين ووصفت بالتعجيزية. وتنطبق الحال نفسها على إجراءات مؤسستي الشهداء والسجناء السياسيين، حينما عُدّت كل منهما المهجّر بصفة (مُحتجز)، وليس (محكوما). ورفضت وزارة المالية تطبيق (قانون رقم 16 لسنة 2010)، لتعويض ممتلكات المتضررين من نظام البعث. فضلا عن عدم وجود أي تخصيصات لتعويض الأضرار والممتلكات العائدة للضحايا الفيليين ضمن ميزانية العام 2012. اما عن التمييز المركّب وشقاء الهوية المركّبة فقد اضطر بعض الفيليون مثل غيرهم من الأقليات في مدة حكم البعث إلى تغيير هويتهم الأصلية، أو التخفي وراء هوية مفبركة، وذلك بتغيير أنسابهم العشائرية، واستبدالها بألقاب عشائرية عربية بعد اضطهادهم سياسيا بسبب انتمائهم القومي والمذهبي. علما أن تغيير اللقب كان يحتاج إلى نفقات مالية، ودفع رشاوى لكبار وصغار الموظفين في دوائر الأمن والجنسية. (4) وبعد التغيير لا يزال الفيليون يتعرضون لتمييز مركب لأسباب إثنية – قومية من جهة، ومذهبية دينية من جهة أخرى. فبوصفهم كورد كانوا يشكلون أقوى أقلية إثنية في البلاد، لكن بسبب مذهبهم وجدوا أنفسهم أقلية وسط المجتمع الكوردي، كما عاملتهم الحكومات العراقية المتعاقبة في مسألة الانتماء بصورة مختلفة عن كورد كوردستان الذين عوملوا بوصفهم عراقيين، وعليه لم يهجروا إلى الخارج، بل خضعوا لتهجير تعريبي، وليس لتهجير إقصائي، ولم تسقط عنهم الجنسية العراقية، كما تعرض لذلك الفيليون. أما استهدافهم من الجماعات الإرهابية المسلحة، فقد كان مركبا أيضا، فهم (شيعة) من جهة، وكورد من جهة ثانية، وهو ما جعلهم هدفا على أساس الانتماء لأكبر جماعتين تقتسمان السلطة (الشيعة والكورد)، مع أنهم لم يشاركوا في مثل هذه السلطة، ولم يكن لهم تمثيل فيها على مستوى صنع القرار. حتى أن كثيرين ممن رجعوا لأراضيهم ودورهم في محافظة ديالى من أبناء عشيرة (قه ره لوس) بعد العام 2003، تعرضوا إلى عمليات القتل الجماعي والاغتيالات، وتفجير منازلهم من الجماعات الإرهابية، مما دفع الكثير منهم الى ترك أراضيهم، والعودة إلى بغداد خوفا على أنفسهم وعوائلهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الكتاب الاسود، ص ٢١٩.

2- الاقليات في العراق: المشاركة في الحياة العامة، تقرير المجموعة الدولية للاقليات، 2011، ص9.

3- الحوار المنشور مع الناشط الفيلي رياض جاسم فيلي في (ملحق ديمقراطية ومجتمع مدني) جريدة الصباح، العدد (2119) بتاريخ 30 / 11 / 2010.

4- برهان الشاوي، ص 19- 20.

قد يعجبك ايضا