رحيل متصوّف الحلة وعاشق الكتاب عبد الرضا عوض

نبيل عبد الأمير الربيعي

بمناسبة رحيل الدكتور عبد الرضا عوض، ذلك الرجل الذي جعل من الكتاب رفيقاً، ومن البحث طريقاً، ومن الحلة ذاكرةً لا تنطفئ. منذ غاب عن المشهد الثقافي وجهٌ ألفناه في مكتبات المدينة، وصوتٌ كان يوقظ فينا شغف السؤال، وعقلٌ ظلّ مشغولاً بتقصّي ما غفل عنه المؤرخون، وما تركته الأيام في زوايا الذاكرة العراقية.
لم يكن عبد الرضا عوض مجرد مؤلفٍ غزير الإنتاج، أو باحثٍ يراكم العناوين والصفحات، بل كان شخصيةً ثقافية وإنسانية متميزة، امتزج فيها عشق المعرفة بحب المدينة، وتجاور فيها التواضع مع عمق التجربة، والوداعة مع قوة الموقف العلمي. كان متصوفاً في علاقته بالكتاب، زاهداً في زخارف الشهرة، ومخلصاً لما يؤمن به من قيم البحث والتوثيق والتحقيق.
إنه أخونا وصديقنا وأستاذنا الدكتور عبد الرضا عوض، رحمه الله، الذي ترك في نفوس محبيه أثراً لا تمحوه السنوات، وفي المكتبة العراقية تراثاً يستحق أن يُقرأ ويُدرس ويُعاد اكتشافه.
حين نتأمل مسيرة الراحل، نجد أنفسنا أمام مشروع معرفي بدأ مبكراً، واستمر بعزمٍ شخصي وإصرارٍ لا يعرف التراجع. فمنذ ستينيات القرن الماضي، انصرف إلى جمع مادة تاريخ الحلة والعراق، والتنقيب في المصادر، وتتبع الحوادث والشخصيات، والبحث في الوثائق التي يمكن أن تمنح الباحث صورةً أكثر اكتمالاً عن الماضي.
كان يرى أن التاريخ ليس سرداً جافاً لتتابع الحكومات والسلاطين، ولا حشداً للأسماء والسنوات، بل هو حياة الناس في تفاصيلها اليومية؛ مدارسهم وأسواقهم، علماؤهم وأدباءهم، أفراحهم وأحزانهم، وتحولاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، امتد اهتمامه إلى مراحل متعددة من تاريخ العراق، من العهد العثماني إلى العهد الملكي، ثم العهود الجمهورية المتعاقبة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد عام 2003، وما حملته من تحولات قاسية، واضطرابٍ سياسي واقتصادي واجتماعي، وتراجعٍ في أداء مؤسسات الدولة، وانعكاساتٍ عميقة على حياة العراقيين.
وفي كتاباته، دون يومياته ومشاهداته، مقدّماً صورةً عن واقعٍ عراقي مثقلٍ بالبؤس والاختلال، وعن إنسانٍ وجد نفسه وسط تحولاتٍ كبرى عصفت بوطنه ومؤسساته وقيمه.
لقد كان عوض يدرك أن المؤرخ لا يعيش خارج زمنه، وأن من واجبه أن يسجل ما يراه ويعيشه، حتى لا تظل الأجيال المقبلة أسيرة الروايات الناقصة أو الذاكرة الانتقائية.
أثمرت رحلة الدكتور عبد الرضا عوض عن أكثر من واحد وخمسين مؤلفاً بين التأليف والتحقيق، تناولت التاريخ والأدب والاقتصاد وتراجم الرجال، فضلاً عن موضوعات أخرى اتصلت باهتماماته الواسعة.
ولم يكن هذا الإنتاج مجرد كثرةٍ عددية، بل كان انعكاساً لشغفٍ عميق بالمعرفة، ورغبةٍ في سدّ ثغراتٍ ظلت قائمة في المدونة العراقية. فقد كان يتجه إلى الموضوع الذي يراه جديراً بالبحث، حتى لو لم يكن من الموضوعات الرائجة، أو التي تمنح صاحبها شهرةً سريعة.
ومن أبرز أعماله كتابه المعروف: (الحوزة العلمية في الحلة: نشأتها وانكماشها، الأسباب والنتائج 562هـ ـ 951هـ)، وهو العمل الذي نال من خلاله درجة الدكتوراه، ويكشف عن اهتمامه بتاريخ الحلة العلمي، وبالمؤسسات التي أسهمت في تشكيل الحياة الفكرية والدينية في المدينة.
لقد أدرك الراحل أن الحلة ليست مجرد مدينةٍ جغرافية على ضفاف الفرات، بل فضاءٌ حضاري تراكمت فيه طبقاتٌ من العلم والأدب والفكر، وأن تاريخها يحتاج إلى من ينقب في أصوله، ويعيد تقديمه للأجيال بعيداً عن الاختزال والتهميش.
وكانت مؤلفاته، بما احتوته من معلومات وإحالات ومصادر، مقصداً للباحثين والدارسين، يستعينون بها في بناء بحوثهم وتوثيق دراساتهم. وقد عُرف عنه أنه لا يقتحم موضوعاً إلا بعد أن يختبر مصادره، ولا يقدّم معلومةً دون أن يحاول تمحيصها والتثبت منها.
لم تقتصر مساهمة الدكتور عبد الرضا عوض على تأليف الكتب، بل امتدت إلى العمل الثقافي والمؤسساتي، وإلى الإيمان بأن النهضة المعرفية لا يصنعها الفرد وحده. وكان له دور ريادي في إصدار مجلة (أوراق فراتية)، ومجلة (العشرة كراسي)، فضلًا عن إسهامه في تأسيس (مركز تراث الحلة)، والعمل على إحياء ذاكرة المدينة وتراثها.
كما بذل جهوداً مع أبنائه في إقامة (مهرجان تمصير الحلة)، واستذكار (واقعة أو دكة عاك)، وهي مبادرات تؤكد أن علاقته بالمدينة لم تكن علاقة الباحث بموضوعه فحسب، بل علاقة ابنٍ بأرضٍ يرى أن الوفاء لها يكون بحفظ ذاكرتها، وصون تراثها، وتعريف الأجيال بتاريخها.
كان يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن المدينة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من روحها. لذلك ظلّ مشغولاً بتوثيق ما قد يمر عليه الآخرون مروراً عابراً، ويمنح المهملات التاريخية حقها من العناية والدرس.
من خلال مطالعتي لمؤلفات الراحل، وتأملي في منهجه في التدوين والتحقيق، وجدت نفسي مدفوعاً إلى تسليط الضوء على هذه الشخصية المهمة، فصدر لي عام 2017 كتاب (الريادة في مؤلفات عبد الرضا عوض). لم يكن ذلك الكتاب مجرد قراءةٍ في عناوين مؤلفاته، بل محاولةً لفهم مشروعه الثقافي، والكشف عن ملامح شخصيته من خلال ما تركه من آثار مكتوبة.
وفي تلك الرحلة، لم أجد الباحث وحده، بل وجدت الإنسان الذي يقف خلف النص؛ الإنسان المستقيم، النزيه، العفيف، الغيور على وطنه ومدينته، الشفاف في تعامله، الودود في علاقاته، المتسامح مع المختلفين معه، والمتواضع رغم ما راكمه من علمٍ وتجربة.
لقد كان الدكتور عبد الرضا عوض من أولئك الذين لا تحتاج إلى وقتٍ طويل كي تعرف معدنهم. تكفي جلسةٌ معه، أو حوارٌ حول كتاب، لتكتشف قلباً طيباً، وذاكرةً واسعة، وعقلاً لا يرضى بالإجابات السهلة. لم يكن الراحل بالنسبة لي مجرد صديقٍ أو زميلٍ في ميدان البحث، بل كان أستاذاً ترك أثراً مباشراً في مسيرتي الثقافية.
كان يشجعني على الاهتمام بتاريخ المدن، وعلى النظر إلى التاريخ بوصفه علماً يتصل بحياة الناس، لا حقلاً مغلقاً على المختصين وحدهم. وكان يطرح أفكاراً وآراءً في تحليل الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدفعني إلى إعادة النظر في كثيرٍ من المسلمات.
ومن توجيهاته التي بقيت حاضرةً في ذاكرتي، إشارته إلى ضرورة كتابة تاريخ مدينة الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي، منذ تأسيسها عام 1747م حتى عام 2003م. وقد صدر هذا المشروع في ثلاثة أجزاء عام 2015، ثم تواصلت الجهود في توثيق انتفاضة آذار 1991 في الديوانية، والبحث في حياة آخر علماء الحوزة العلمية في الحلة، الشيخ إبراهيم القطيفي، المتوفى عام 945هـ/1538م.
إن بعض الكتب لا تولد من رغبةٍ فردية فحسب، بل من كلمةٍ صادقة يقولها أستاذٌ في الوقت المناسب، فتفتح أمام تلميذه طريقاً جديداً. وهذا ما فعله عبد الرضا عوض معي؛ فقد كان يحفز، ويشجع، ويمنح الباحث ثقةً بقدرته على إنجاز ما يبدو في بدايته مشروعاً شاقاً.
أخلاق العلماء.. حين يكون السلوك شاهداً على المعرفة
كان الدكتور عبد الرضا عوض يحمل من الأخلاق ما يذكر بأخلاق العلماء الذين جعلوا العلم مسؤوليةً قبل أن يكون منزلة. عرفته متواضعاً، عفيفاً، كثير الحياء، صبوراً على الأذى، محباً للعلم والتاريخ، حريصاً على نشر المعرفة، متسامحاً مع الاختلاف، قويّ الحجة حين يناقش، هادئاً في طبعه، دمثاً في معاشرته.
ولم يكن احترام الناس له نابعاً من كثرة كتبه وحدها، بل من سلوكه اليومي، ومن صدقه في علاقاته، ومن نزاهته التي لم تكن شعاراً يرفعه، بل طريقةً يعيش بها. حتى الذين اختلفوا معه في الفكر والرأي كانوا يجدون فيه خصماً نزيهاً، لا يسيء إلى المختلف، ولا يحول الحوار إلى خصومة شخصية. وكان ذلك من أجمل ما يميز شخصيته؛ إذ لم يسمح للمعرفة أن تفسد إنسانيته، ولا للاختلاف أن ينتزع منه احترام الآخرين.
من الجوانب اللافتة في مشروع الدكتور عبد الرضا عوض اهتمامه بالأسماء التي لم تنل حظها من التوثيق، وبالموضوعات التي ظلت خارج دائرة الضوء. لقد أدرك أن التاريخ العربي، في كثيرٍ من مدوناته، انشغل برجال السلطة والعلم والسياسة، حتى بدت المرأة في بعض صفحاته هامشاً لا يكتمل المشهد إلا به، لكنه لا يحظى بما يستحق من اهتمام. لذلك اتجه إلى البحث في أخبار الأديبات والشاعرات، وتتبع سير النساء اللواتي أسهمن في الحياة الأدبية والثقافية، وإبراز حضورهن في الذاكرة. ولم يكن هذا الاهتمام عابراً، بل امتد إلى تكريمهن في ملتقى (العشرة كراسي)، في محاولةٍ لإعادة الاعتبار إلى أسماءٍ غابت طويلاً عن المشهد. وهنا تتجلى قيمة المؤرخ الحقيقي: إنه لا يكتفي بما هو حاضرٌ في الكتب، بل يبحث عما غاب، ولا يكتفي بما اعتاد الناس تداوله، بل يسأل عن الذين لم يجدوا من يدوّن سيرهم.
لقد كان عوض مؤرخاَ للمنسيين، بقدر ما كان مؤرخاً للمشاهير، وكان يرى أن المدينة لا تُقرأ من خلال علمائها وحدهم، بل من خلال ناسها وأمكنتها ومدارسها وأسواقها وذاكرتها الشعبية.
ربما لا يمكن الحديث عن عبد الرضا عوض دون الوقوف طويلًا عند علاقته بالكتاب. كان الكتاب عنده صديقاً دائماً، لا يخذله، ولا يساومه، ولا يطالبه إلا بمزيدٍ من الصبر والإنصات. وكان يقابله بما يشبه الوفاء الصوفي؛ يقضي معه ساعات النهار، ويعود إليه في الليل، ويستأنف معه رحلة البحث في الصباح.
أتذكره في مكتبته (دار الفرات) في مدينة الحلة الفيحاء، حيث كنت أراه غارقاً بين كتبه ودفاتره وأقلامه وحاسبته. كانت آثار السهر والإرهاق باديةً على وجهه وعينيه، لكنه ما إن يستريح قليلاً حتى يعود إلى القراءة والمراجعة والتصحيح.
كان يطيل النظر في النص، ويعيد قراءة العبارة، ويتوقف عند المعلومة، ويفحص الإحالة، ويقارن بين المصادر. ولم يكن يرضى أن يمرّ الخطأ دون محاولةٍ لإصلاحه، ولا أن تُترك المعلومة ناقصةً إذا كان في مقدوره استكمالها. وفي تلك الساعات، كان يبدو كأنه يعيش خارج إيقاع الحياة المعتاد؛ فلا الليل يثنيه عن العمل، ولا التعب يطفئ رغبته في المعرفة. لم يكن الكسل صديقه، ولا الراحة غايته، إلا حين يفرض المرض نفسه على الجسد. أما ما دام قادراً على القراءة والكتابة، فقد كان يجد في الكتاب ملاذه، وفي البحث راحته، وفي إنجاز العمل رضاه الداخلي.
رحيل الجسد.. وبقاء الأثر
رحل الدكتور عبد الرضا عوض، لكن الحلة لم تفقده تماماً. فما تركه من كتب، وما جمعه من معلومات، وما أسهم به في الحياة الثقافية، وما زرعه في نفوس الباحثين من شغفٍ بالتاريخ، كل ذلك ما يزال حاضراً.
إن غياب المؤرخ لا يعني نهاية مشروعه، بل يضع على عاتق الأحياء مسؤولية مواصلة ما بدأه، وإعادة قراءة أعماله، وتحقيق ما يحتاج إلى تحقيق، والتعريف بتراثه لدى الأجيال الجديدة. لقد كان عوض من أولئك الذين يؤمنون بأن المعرفة لا تكتمل في حياة صاحبها، وأن الكتاب الحقيقي يظل مفتوحًا على قراءاتٍ أخرى، وأسئلةٍ جديدة، وأجيالٍ لم تأتِ بعد.
ومن واجبنا اليوم، ونحن نستذكر رحيله، ألا نحصر ذكراه في عبارات الرثاء، ولا نجعل من وفائنا له مناسبةً موسمية. الوفاء الحقيقي يكون بقراءة كتبه، ومراجعة مشروعه، وإعادة نشر ما يستحق، وتوثيق سيرته، وإدراج منجزه في سياق تاريخ الحركة الثقافية العراقية.
في ذكرى رحيله، لا نملك إلا أن نقول: سلامٌ على عبد الرضا عوض، يوم جعل من الكتاب رفيقاً، ومن الحلة ذاكرةً، ومن التاريخ رسالةً، ويوم غاب عن أعيننا وبقي حاضراً في صفحات العراق.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأبقى أثره حيًّا في قلوب محبيه، وفي ذاكرة الحلة والعراق.

قد يعجبك ايضا