أمل سنان نجمة «نادية» التي اختارت الصمت

محمد علي محيي الدين

تمثل أمل سنان واحدة من أكثر الظواهر الفنية العراقية إثارة للتأمل؛ فهي فنانة لمع اسمها سريعًا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ثم اختفت عن الأضواء وهي في ذروة نجاحها، لتتحول إلى نموذج نادر لفنانة صنعت حضورًا استثنائيًا بعمل واحد، ثم تركت وراءها مساحة واسعة من الأسئلة والحنين. لقد ارتبط اسمها في الذاكرة العراقية بمسلسل «نادية»، حتى أصبح الدور جزءًا من هويتها الفنية، وبقي حاضرًا في وجدان المشاهدين رغم مرور عقود على عرضه.

Screenshot

ولدت أمل سنان سعيد عبد القادر في تشرين الأول/أكتوبر عام 1966 بمدينة باكو، عاصمة أذربيجان، لأب عراقي هو الإعلامي والأديب التركماني الدكتور سنان سعيد عبد القادر، وأم أذربيجانية. انتقلت مع أسرتها إلى العراق وهي طفلة، ونشأت في بيت يجمع بين الثقافة والفنون، الأمر الذي أسهم في تكوين شخصيتها الإبداعية منذ سنواتها الأولى. التحقت بمدرسة الموسيقى والباليه في بغداد، ودرست آلة البيانو، وكانت مؤهلة لمواصلة دراستها العليا في الموسيقى، غير أن الظروف التي مر بها العراق آنذاك حالت دون ذلك، فاتجهت إلى دراسة المسرح في كلية الفنون الجميلة، لتجمع بين المعرفة الموسيقية والتكوين الأكاديمي المسرحي.
في الثمانينيات لفتت أنظار الوسط الفني من خلال عملها في عروض الأزياء، وهو ما قادها إلى أولى تجاربها التمثيلية الكبرى. فجاءت فرصة البطولة المطلقة في مسلسل «نادية»، الذي كتبه معاذ يوسف وأخرجه صلاح كرم، وأُنتج عام 1987 وعُرض عام 1988. لم يكن المسلسل مجرد عمل درامي ناجح، بل تحول إلى علامة فارقة في تاريخ التلفزيون العراقي، وأسهم في تقديم وجه جديد امتلك حضورًا هادئًا وأداءً طبيعيًا جعل الشخصية تبدو قريبة من الناس. كما ارتبط العمل بأغنية المقدمة التي غناها كاظم الساهر في بداياته الفنية، من كلمات كريم العراقي وألحان جعفر الخفاف، وهو ما منح المسلسل بعدًا فنيًا إضافيًا.
حقق أداء أمل سنان في «نادية» نجاحًا لافتًا، ونالت عنه جائزة أفضل ممثلة في العراق عام 1988، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الدراما العراقية خلال تلك المرحلة. ولم تقتصر مشاركتها على التلفزيون، بل دخلت السينما أيضًا من خلال فيلم «ستة على ستة» للمخرجة خيرية منصور، إلى جانب قاسم الملاك ونخبة من الفنانين العراقيين، مؤكدة امتلاكها قابلية للانتقال بين الدراما والكوميديا.
لكن المفارقة الكبرى في سيرتها أن هذا النجاح لم يدفعها إلى الاستمرار، بل جاء رحيلها عن الوسط الفني سريعًا. فبعد تخرجها من كلية الفنون الجميلة غادرت العراق عام 1989، واختارت الابتعاد عن التمثيل نهائيًا. وقد أوضحت في أكثر من حوار، نشرته صحف مثل العالم الجديد والزمان والصباح الجديد والمدى، أن قرارها لم يكن نتيجة فتور تجاه الفن، وإنما بسبب الضغوط الاجتماعية والمضايقات التي تعرضت لها هي وعائلتها، والتي رأت أنها لا تنسجم مع قيمها وشخصيتها، فآثرت الانسحاب بصمت بدل الاستمرار في أجواء لم تجد فيها راحتها.
استقرت أمل سنان في ألمانيا، وعادت إلى شغفها الأول بالموسيقى، حيث عملت في تدريس العزف على آلة البيانو، مبتعدة عن الأضواء الإعلامية، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة جمهورها. وقد عبّرت في لقاءات لاحقة عن حنينها للعراق، ولا سيما لسنوات السبعينيات التي وصفتها بأنها مرحلة الجمال والاستقرار الثقافي، كما تحدثت بمحبة عن مدينة باكو وذكريات طفولتها فيها، وهو ما وثقته مقابلاتها مع وكالة أذرتاج وعدد من الصحف العراقية.
تكشف سيرة أمل سنان عن مفارقة لافتة في تاريخ الفن العراقي؛ إذ إن الشهرة لا تُقاس دائمًا بعدد الأعمال، بل بقدرة الفنان على ترك أثر لا يمحى. فقد صنعت عملين فقط في التلفزيون والسينما، لكنهما كانا كافيين لتثبيت اسمها في سجل الذاكرة الفنية العراقية. ويظل مسلسل «نادية» شاهدًا على موهبة ظهرت بسرعة واختارت الرحيل مبكرًا، فيما بقيت صورتها مرتبطة بزمن يعده كثيرون من أجمل مراحل الدراما العراقية.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما ورد في دراسة الدكتور إبراهيم خليل العلاف عن الإعلامي سنان سعيد عبد القادر، وإلى كتاب محمد خضر الحمداني «أوائل من كركوك»، فضلاً عن الحوارات التي أجرتها أمل سنان مع أذرتاج، وصحف العالم الجديد والزمان والصباح الجديد والمدى، وهي مصادر أسهمت في رسم صورة متكاملة لمسيرتها الفنية والإنسانية.

قد يعجبك ايضا