سعد محمد عبدالله
بين لقاءات كثيرة مع المسؤولين السودانيين، يشكّل لقاء القائد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي ورئيس الحركة الشعبية-شمال، بوفد الآلية الخماسية، خطوة تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية مضمون اللقاء، رغم أهمية الأخذ به في تحليل الموقف، وإنما من حيث التوقيت والدلالات السياسية المرتبطة بمسار الحرب والسلام في السودان؛ فالآلية التي تضم الأمم المتحدة، والإتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والإتحاد الأوروبي، والإيقاد، تمثل تجمعًا دوليًا وإقليميًا واسعًا، يفترض أن يتحول من مجرد الإستماع إلى المواقف المتباينة إلى ممارسة دور أكثر فاعلية في دفع الأطراف نحو وقف الحرب، ومن المهم أن يكون أي تحرك خارجي مساندًا للإرادة السودانية، لا بديلًا عنها، وأن ينطلق من فهم عميق لتعقيدات الأزمة القائمة وتاريخها السياسي والإجتماعي؛ فالسودان لا يحتاج إلى مبادرات جديدة تكرر تجارب سابقة، بقدر حاجته إلى إرادة سياسية وطنية جادة توقف النزيف، وتحمي المدنيين، وتعيد بناء الثقة، ثم تفتح الطريق أمام حوار سوداني شامل يعالج أسباب الأزمة، لا نتائجها فقط، وهذه مسؤولية مشتركة بين السودانيين والمجتمعين الإقليمي والدولي، كلُّ بمقدار مسؤولياته وحدود صلاحياته، بعيدًا عن الإنتقائية أو إزدواجية المعايير؛ كما أن نجاح أي مبادرة يظل مرهونًا بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وإحترام وحدة السودان وسيادته، وصون مؤسساته، وحفظ القرار الوطني، وتعزيز الإستقرار.
تبرز في حديث القائد مالك عقار نقطة جوهرية تتعلق بتجارب الإتفاقيات السياسية السابقة، التي كثيرًا ما إنشغلت بتوزيع السلطة والمواقع بين النخب، بينما تركت جذور الأزمة بلا معالجة حقيقية؛ فالحرب الحالية ليست حادثًا منفصلًا عن تراكمات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وأمنية عميقة، ولذلك فإن إيقاف القتال يمثل ضرورة عاجلة، لكنه لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام؛ فالمطلوب هو الإنتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، عبر مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة على مبادئ السلام والحرية والمواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، والعدالة، والتنمية المتوازنة، وإصلاح مؤسسات الدولة، ومعالجة قضية التهميش والإقصاء بصورة جادة، وفي تقديري، أن الحديث عن الحوار في حد ذاته يُعد خطوة جيدة في الإتجاه الصحيح، لكن الواضح أن أي عملية سياسية قبل وقف الحرب ينبغي أن تراعي الواقع الإنساني والأمني، لأن إستمرار القتال قد يضعف فرص الحوار، ويزيد الإستقطاب، ويعمّق الإنقسامات؛ ومن هنا، فإن الأولوية المنطقية تتمثل في وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، ثم توفير مناخ سياسي يسمح بمشاركة القوى الوطنية والإجتماعية كافة في حوار لا تحكمه حسابات المحاصصة أو صفقات النخب القديمة التي تحركها مطامع السلطة، بل يجب أن يتحرك الجميع وفق مشروع وطني يحقق مصلحة السودان ومستقبله، ويؤسس لمرحلة إنتقالية مستقرة، ويبني مؤسسات وطنية قوية على أسس دستورية واضحة، وعدالة سياسية ومجتمعية حقيقية ومستدامة.
أما دعوة الآلية الخماسية إلى تيسير أعمال لجنة التشاور السياسي السودانية، مع التعهد بعدم التدخل في أجندتها أو مجريات الحوار، فهي فكرة يمكن البناء عليها إذا إقترنت بضمانات واضحة لإحترام القرار السوداني؛ فالتشاور السياسي المطلوب ينبغي ألا يتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الإصطفافات، أو إلى سباق للحصول على مواقع في سلطة إنتقالية، وإنما إلى مساحة وطنية واسعة للتفاكر والبحث عن كيفية إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة؛ كما أن القوى السياسية مطالبة بتجاوز حالة التنافر التي حالت طويلًا دون الوصول إلى رؤية مشتركة، لأن المجتمع الدولي يستطيع أن يسهّل ويقرّب وجهات النظر، لكنه لا يستطيع أن يصنع توافقًا سودانيًا من الخارج؛ فهذا يتطلب إرادة سودانية حقيقية، وفي هذا السياق، فإن عودة الحياة إلى الخرطوم ينبغي أن تكون مدخلًا لإستعادة مؤسسات الدولة والخدمات العامة، وليس ذريعة لإعلان إنتهاء الأزمة؛ فالسودان يحتاج إلى سلام شامل، لا إلى هدوء مؤقت، وإلى مصالحة وطنية حقيقية، لا إلى تسويات ظرفية، وإلى مشروع وطني يعيد ثقة المواطن في الدولة، ويمنح الأجيال القادمة أملًا في حياة مختلفة، ويضمن مشاركة الشباب والنساء والإدارات الأهلية والمجتمع المدني في صناعة المستقبل المنشود.
يبقى ملف التدخلات الخارجية من أكثر الملفات حساسية في مسار الحرب، ولذلك فإن مطالبة الآلية الخماسية بمخاطبة دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن ما يُنسب إليها من دعم عسكري وسياسي لمليشيا الدعم السريع وحلفائها، مسألة تستحق نقاشًا جادًا يقوم على الأدلة والشفافية، بعيدًا عن المزايدات السياسية والخطاب الدعائي أو الإنتقائية؛ فوقف الحرب لن يكون كاملًا إذا توقفت المعارك داخل السودان، بينما إستمر تدفق السلاح والمال والدعم من الخارج، بل إن ذلك قد يكون بمثابة هدنة مؤقتة إستعدادًا لمعارك أطول وأوسع، ومن واجب الآلية أن تتعامل مع جميع الأطراف والدول بالمعايير نفسها، وأن تعمل على تجفيف مصادر التصعيد، وتشجيع الإلتزام بالقانون الدولي وحماية المدنيين، وبعد تثبيت وقف الحرب، يجب أن ينتقل الدور الإقليمي والدولي إلى دعم السودانيين في بناء عملية سياسية شاملة تضع نهاية حقيقية لدورات الحروب والتسويات الهشة التي تعقد المشهد أكثر فأكثر، ولن يستغرق ذلك وقتًا طويلًا إذا توفرت الإرادة السياسية؛ فتحليل نتائج لقاء القائد مالك عقار يقودنا إلى حقيقة أساسية: لا يمكن بناء السلام فوق أنقاض الدولة، ولا يمكن إختزال الأزمة في تقاسم السلطة، والمطلوب عقد سياسي وإجتماعي جديد، وعدالة ومصالحة، وإصلاح مؤسسي، وتنمية شاملة للريف والمدينة، وحوار سودانوي عميق وواسع؛ وعندها فقط يصبح الدعم الدولي رافعة للسلام، لا بديلًا عن الإرادة الوطنية، بعيدًا عن الوصاية الخارجية والإستقطاب الحزبي الضيق، بغية بناء سودان جديد موحد يسع الجميع.