العراق الذي يكتب ويطبع ويقرأ

مصطفى طارق الدليمي

ظلّت عبارة مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ زمناً طويلاً تختصر صورة شائعة عن حركة الكتاب في المنطقة حتى تحولت من وصف لمرحلة تاريخية إلى ما يشبه القاعدة التي لا تحتاج إلى مراجعة لكن القواعد الثقافية مثل غيرها تتغير حين تتغير الحياة اليوم ثمة عراق آخر في المشهد الثقافي عراق يكتب ويطبع ويقرأ
في بغداد ومدن عراقية أخرى تظهر أسماء جديدة في الكتابة وتصدر عناوين في مجالات مختلفة وتتحرك دور نشر عراقية وتقام فعاليات وندوات وأمسيات ويواصل كتُّاب وباحثون وأكاديميون إنتاجاتهم وسط ظروف ليست سهلة. هناك من يكتب الرواية ومن يؤلف في السياسة والإعلام والتاريخ والفكر ومن يوثق الذاكرة العراقية ومن يحاول أن يقرأ التحولات الجديدة التي يعيشها المجتمع
هذه الحركة موجودة لكنها لا تحصل دائماً على المساحة التي تستحقها المشكلة ليست في غياب الكتاب العراقي وإنما في محدودية الضوء المسلط عليه ففي كثير من الأحيان يبدو المشهد الثقافي العراقي وكأنه يستعيد حضوره الإعلامي في موعد محدد من السنة مع انطلاق معرض بغداد الدولي للكتاب ثم يخفت الاهتمام بعد انتهاء أيام المعرض وكأن الثقافة العراقية مرتبطة بجدول زمني قصير
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا يكون الكتاب حاضراً في المشهد الإعلامي طوال العام؟
معرض الكتاب مناسبة مهمة لكنه لا ينبغي أن يكون الموسم الوحيد الذي نكتشف فيه أن العراق لديه كتّاُب وناشرون وقرُّاء فالمعرض يستطيع أن يجمع هذا المشهد في مكان واحد لكنه لا يصنعه من العدم خلف كل كتاب رحلة شاقة لا نراها تخفي وراءها شهوراً وربما سنوات من البحث، والتأليف والمراجعة والنشر
الكاتب العراقي لا يظهر عندما يفتح المعرض أبوابه هو موجود قبل ذلك وبعده والناشر الذي يعرض عشرات العناوين في أيام المعرض لا يبدأ عمله مع أول يوم للفعاليات والقارئ الذي يملأ أروقة المعرض ليس قارئاً موسمياً بالضرورة وإنما يجد في تلك الأيام فرصة أكبر للوصول إلى ما يبحث عنه لذلك فإن الحديث عن الكتاب في العراق يحتاج إلى أن يتجاوز منطق المناسبة إلى منطق المشهد نحن أمام جيل عراقي يكتب بلغته وأسئلته ويحاول أن يجد مكانه وسط سوق نشر عربي مزدحم وفي زمن أصبحت فيه وسائل النشر أكثر تنوعاً وأصبح الوصول إلى القارئ ممكناً بطرق ماعادت متاحة للكاتب العراقي في السابق والأهم أن العراق لا يملك تاريخاً عابراً مع الكتاب بغداد كانت واحدة من أهم مراكز العلم والمعرفة في الحضارة العربية والإسلامية والكتاب فيها ليس جسماً غريباً عن الذاكرة العراقية لذلك فإن عودة العراق إلى موقع الفاعل في صناعة الكتاب ليست حدثاً طارئاً وإنما امتداد لذاكرة ثقافية عميقة لكن هذه العودة تحتاج إلى أكثر من الاحتفاء تحتاج إلى إعلام يلاحق الكتاب بعد أن يغادر منصات المعرض وإلى صحافة ثقافية تمنح الكاتب والناشر مساحة مستمرة وإلى مؤسسات ثقافية تنظر إلى صناعة الكتاب بوصفها جزءاً من بناء المجتمع وإلى قارئ يجد الكتاب متاحاً أمامه طوال العام لا في موسم واحد فالثقافة التي لا تظهر إلا في المناسبات تبقى أسيرة المناسبة مهما كان حجمها العراق اليوم يكتب ويطبع، ويقرأ وهذه ليست جملة للاحتفال فقط وإنما حقيقة تستحق أن تُرى وتُناقش وتُدعم وإذا كانت العبارة القديمة قد قسمت أدوار الكتاب بين ثلاث عواصم فإن المشهد الجديد يقول إن العراق قادر على أن يجمع هذه الأدوار في مكان واحد المطلوب فقط أن نفتح لهذا المشهد نافذة أكبر فالعراق الذي يكتب ويطبع ويقرأ لا يحتاج إلى أن نكتشفه كل عام في معرض الكتاب انما يحتاج إلى أن نراه طوال العام.

قد يعجبك ايضا