رؤية استراتيجية لبناء الأمن القومي والردع المستدام لإقليم كوردستان

الدکتور سامان سوراني
خبیر العلاقات الدولیة و الدبلوماسية

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط يبرز مفهوم الأمن الذاتي كضرورة وجودية للكيانات والوحدات السياسية الحريصة على صون استقرارها وحماية سيادتها.
علماء الفکر الاستراتیجي الحدیث یؤکدون، بأنه لم تعد الترتيبات الأمنية في العالم المعاصر تقتصر على الانخراط التقليدي في موازنات القوى الصلبة، بل أصبحت تعتمد على مدى قدرة الفاعلين على قراءة التهديدات بدقة وتفكيك عناصرها استناداً إلى أطر استراتيجية رصينة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الأدبيات الأمنية الحديثة أهمية بالغة عند إسقاطها على واقع إقليم كوردستان، بهدف تحويل التحديات الجغرافية والسياسية إلى فرص لبناء الردع المستدام.
تقدم اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان نموذجاً عميقاً في الفكر الاستراتيجي الحديث، إذ تبين كيف يمكن للوحدات السياسية إدارة أمنها القومي استناداً إلى مفاهيم “الواقعية الدفاعية” ومبدأ “توازن التهديد” الذي طرحه العالم والاستراتيجي الأمريكي ستيفن والت.
وبالنسبة لإقليم كوردستان، الذي يعمل في بيئة إقليمية مليئة بالأزمات ومحاطة بتهديدات متعددة الأبعاد، فإن إسقاط هذا النموذج النظري على واقع الإقليم يقدم دروساً استراتيجية بالغة الأهمية لتعزيز منظومة الدفاع الذاتي وتحقيق الردع المستدام.
فالواقعية الدفاعية تؤكد أن الهدف الأساسي للفاعلين السياسيين ليس الهيمنة أو التوسع، بل ضمان البقاء والاستقرار ومنع الطرف الآخر من فرض أمر واقع بالقوة، وهو ما يتطابق تماماً مع عقيدة الأمن الذاتي التي يحتاجها إقليم كوردستان.
استناداً إلى المتغير الأول في نموذج ستيفن والت، وهو “القوة الإجمالية”، يظهر الدرس الأول للإقليم في ضرورة تعظيم وتنسيق مكامن القوة الداخلية.
فكما جمعت اتفاقية مكة بين الثقل المالي والعسكري والتكنولوجي لدولها لتشكيل كتلة ردع حاسمة، يتوجب على إقليم كوردستان المضي قدماً في التمكين المؤسسي والتأطير الهيكلي الموحد لقدراته العسكرية والأمنية، وعلى رأسها قوات الپێشمەرگە تحت مظلة وزارية ونظامية شاملة ذات عقيدة دفاعية موحدة.
إن تعزيز البنية المؤسسية لمؤسسات الإقليم العسكرية وتطوير سلاسل القيادة والسيطرة يضاعف القوة الإجمالية للإقليم ويمنع القوى الإقليمية والمحلية المهددة من استغلال التباينات الإدارية، كما يعزز مكانة الإقليم كشريك أمني موثوق ومحوري في الحسابات الدولية.
وفيما يتصل بالمتغير الثاني المتصل بـ”القرب الجغرافي” ومفهوم “تدرج فقدان القوة”، يقع إقليم كوردستان في قلب جوار جغرافي معقد ومباشر، حيث تتعاظم المخاطر والتهديدات بفعل التماس الحدودي والمسافات القريبة التي تسهل إسقاط القوة سريعة التأثير.
وهنا تملي الواقعية الدفاعية على قيادة الإقليم بناء عمق استراتيجي مظلي عبر تحالفات ممتدة وتنسيق أمني مرن يربط أمن الإقليم بالمحيط الدفاعي والتوازنات الكبرى.
إن تأمين الحدود، وتنظيم أمن الممرات الجغرافية، وبناء شراكات تكتيكية واستراتيجية مع القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المشتركة، يحيد ميزة القرب الجغرافي التي يستغلها الخصوم لفرض الضغوط العسكرية أو السياسية السريعة.
وعلى صعيد مواجهة القدرات الهجومية، تظهر اتفاقية مكة ضرورة التحول من ردود الفعل الانفعالية إلى استراتيجية الردع عبر حرمان المعتدي من تحقيق أهدافه.
ينطوي هذا بالنسبة لإقليم كوردستان على التركيز المكثف على بناء منظومات دفاعية غير متماثلة ومحصنة، كالارتقاء بقدرات الدفاع الجوي، والإشعار المبكر، والدفاع السيبراني، وتأمين البنى التحتية الحيوية ومناطق الطاقة ضد الصواريخ الباليستية أو الهجمات بالدرونز. إن امتلاك الإقليم لبنية دفاعية تجعل من تكلفة أي اعتداء عليه أعلى بكثير من عائداته المتوقعة، يفرض على الأطراف ذات النوايا العدائية التفكير ملياً قبل القدوم على أي مغامرة عسكرية.
أخيراً، تضع الواقعية الدفاعية تفكيك النوايا العدائية المدركة كركيزة حاسمة لإدارة معضلة الأمن. إن ردع النوايا العدائية لا يتم بالضرورة عبر الدخول في سباقات تسلح هجومية تثير قلق الجوار، بل من خلال إرسال رسائل اتصال استراتيجي والدبلوماسية الردعية الصارمة. إن إبقاء الإقليم على رسالته الدفاعية واضحة كعامل استقرار في المنطقة، مع التأكيد الصارم على خطوطه الحمراء المتعلقة بسيادته وأمن مواطنيه، يمنع الخصوم من الرهان على سياسات التفريق والضغط.
وبذلك، فإن استيعاب وتطبيق دروس الواقعية الدفاعية يمكن إقليم كوردستان من بناء مظلة أمان ذاتية ومؤسسية، تضمن صموده وبقاءه كفاعل رئيسي وحازم في توازنات القوى الإقليمية.
إن العبرة الأهم التي يقدمها التحليل الاستراتيجي لمعادلات التوازن المعاصرة تكمن في أن الأمان لا يمنح بل يبنى، وأن القوة الحقيقية للفاعلين لا تقاس فقط بمدى حجم التسليح، بل بمقدار الحصانة المؤسسية والرؤية الواعية لتفكيك عناصر التهديد.
إن نجاح إقليم كوردستان في ترسيخ عقيدة دفاعية متكاملة تزاوج بين التمكين المؤسسي الداخلي والدبلوماسية الردعية في الخارج، هو السبيل الأوحد لضمان تحويل الإقليم إلى رقم صعب ومستقر وسط بيئة غير مستقرة ومتقلبة، مما يضمن صون مكتسباته الوطنية ورسم ملامح مستقبل آمن ومستدام لأجياله القادمة.

قد يعجبك ايضا