محمود محمد الصميدعي
في العراق لا تبدو المشكلة دائمًا في قلة الأموال التي تنفقها الدولة بل في سؤال أكثر أهمية: ماذا أنتج هذا الإنفاق؟
فالدولة تنفق موارد مالية ضخمة على الرواتب والخدمات والمشاريع والبنية التحتية لكن حجم الإنفاق لا يتحول دائمًا إلى نمو اقتصادي مماثل أو إنتاج أعلى أو خدمات أكثر كفاءة أو فرص عمل مستدامة. وهنا تظهر المفارقة: إنفاق كبير لا يعني بالضرورة نتائج كبيرة.
المشكلة ليست في الإنفاق الحكومي بحد ذاته فالدولة تحتاج إلى الإنفاق على الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية والحماية الاجتماعية وإنما تبدأ المشكلة عندما يتحول الإنفاق من أداة لبناء القدرة الاقتصادية إلى وسيلة لإدارة الالتزامات القائمة فقط.
لذلك لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يحكم السياسة المالية العراقية هو: كم أنفقنا؟ بل: كم قيمة اقتصادية صنعنا من هذا الإنفاق؟
المشكلة ليست في حجم الموازنة بل في إنتاجيتها
لفهم المعضلة العراقية يجب التمييز بين الإنفاق الجاري والإنفاق الاستثماري. فالإنفاق الجاري يمول الرواتب والتقاعد والخدمات والنفقات التشغيلية وهو ضروري لاستمرار عمل الدولة. أما الإنفاق الاستثماري فيفترض أن يبني قدرة جديدة: مصنعًا أو طريقًا أو محطة كهرباء أو شبكة مياه أو ميناءً أو مستشفى أو بنية تحتية قادرة على إنتاج قيمة لسنوات.
لكن عندما يتوسع الإنفاق الجاري على حساب الاستثمار المنتج تصبح الموازنة أكثر قدرة على تمويل الحاضر وأقل قدرة على بناء المستقبل.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في تقديرات صندوق النقد لعام 2025 التي تضع الإنفاق الجاري عند نحو 38.6% من الناتج المحلي مقابل 5.8% فقط للإنفاق الاستثماري فيما تمثل الرواتب والتقاعد وحدهما نحو 24% من الناتج. والمشكلة هنا ليست في دفع الرواتب أو تقديم الخدمات وإنما في اختلال التوازن بين ما يستهلك الموارد وما يبني قدرة اقتصادية جديدة.
العراق ينفق من مورد ناضب على التزامات دائمة
تزداد المعضلة خطورة لأن النفط لا يزال يمثل العمود الفقري للمالية العامة. وهذا يعني أن الدولة تمول التزامات مستمرة من مورد يتأثر بالأسعار والإنتاج والأسواق والصدمات الجيوسياسية.
المعادلة ببساطة: إيرادات متقلبة مقابل التزامات ثابتة.
فعندما ترتفع أسعار النفط تتوسع قدرة الدولة على الإنفاق وعندما تنخفض تبدأ الضغوط على الاستثمار والسيولة والاقتراض. وهكذا يصبح الاقتصاد العراقي أسيرًا لدورة النفط بدلًا من أن يكون النفط وسيلة للخروج منها.
المشكلة إذن ليست في النفط وإنما في استخدام النفط لتمويل نموذج اقتصادي يعتمد على الإنفاق أكثر مما يعتمد على الإنتاج.
من الإنفاق إلى الإنتاج
هناك فرق كبير بين أن تنفق الدولة المال وأن تحول المال إلى قيمة.
إذا أنفقت الدولة على مشروع صناعي يؤدي إلى إنتاج سلعة محلية فإنها خلقت أصلًا ووظائف وسوقًا وإيرادات مستقبلية. أما إذا أنفقت المبلغ نفسه على نشاط لا يضيف قدرة إنتاجية فقد ينتهي أثر الإنفاق بانتهاء السنة المالية.
ومن هنا يمكن طرح مفهوم الدينار المنتج. فليس كل دينار تنفقه الدولة متساويًا في أثره؛ هناك دينار ينتهي أثره بانتهاء الإنفاق ودينار آخر يبني مصنعًا أو يدرب عاملًا أو يخفض كلفة النقل أو يرفع الإنتاج الزراعي أو يوفر الطاقة أو يخلق شركة جديدة.
الأول يستهلك المال والثاني يخلق قيمة تستمر بعد انتهاء الإنفاق.
ولهذا يجب أن يصبح السؤال في الموازنة العراقية: كم دينارًا منتجًا نخلق من كل دينار ننفقه؟
الكهرباء: عندما تصبح كلفة عدم الاستثمار أعلى من كلفة الاستثمار
قطاع الكهرباء يقدم مثالًا واضحًا على أن المشكلة ليست دائمًا في حجم الإنفاق وإنما في نوعية الاستثمار ونتيجته.
فإذا أنفقت الدولة على محطة توليد دون معالجة شبكات النقل والتوزيع والجباية والفاقد وكفاءة الوقود فإن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في الخدمة.
وفي المقابل فإن عدم الاستثمار في الشبكة والطاقة له كلفة اقتصادية كبيرة. فالمصنع الذي يتوقف بسبب الكهرباء يخسر إنتاجًا والمزارع الذي يعتمد على مولدات إضافية ترتفع كلفة إنتاجه والمستثمر الذي لا يحصل على طاقة مستقرة يعيد حساباته والمواطن يتحمل كلفة إضافية من خلال المولدات.
إذن قد يكون عدم الإنفاق على الاستثمار الضروري أكثر كلفة من الإنفاق نفسه لكن الاستثمار الذكي هو الذي يعالج المشكلة من جذورها لا الذي يضيف إنفاقًا جديدًا إلى المشكلة القديمة.
المشاريع ليست أرقامًا في الموازنة
العراق لا يحتاج إلى المزيد من المشاريع لمجرد تسجيل مشاريع جديدة بل يحتاج إلى مشاريع تعمل وتنتج.
مصنع ينتج ومحطة كهرباء توفر طاقة مستقرة وطريق يخفض كلفة النقل وميناء يزيد حركة التجارة وشبكة مياه تقلل الهدر ومشروع زراعي يرفع الإنتاج ومنطقة صناعية تجذب المستثمرين؛ هذه هي المشاريع التي تغير الاقتصاد.
أما المشروع الذي يبدأ ولا يكتمل أو يكتمل ولا يدخل مرحلة التشغيل بكفاءة فيتحول من أصل اقتصادي إلى عبء مالي.
وهنا تبرز مشكلات إدارة الاستثمار العام ومنها محدودية القدرة على التنفيذ والبيروقراطية وضعف إدارة المشاريع والبيئة التنظيمية غير الشفافة.
لذلك يجب ألا يكون السؤال: هل أنفقنا المبلغ المخصص للمشروع؟ بل: هل حصل المواطن والاقتصاد على القيمة التي كان يفترض أن ينتجها المشروع؟
من موازنة الإنفاق إلى موازنة النتائج
العراق لا يحتاج بالضرورة إلى موازنة أصغر بل إلى موازنة أكثر إنتاجية؛ أي موازنة تتحول من وثيقة تحدد الأموال التي ستصرف إلى أداة تحدد النتائج التي يجب تحقيقها.
كل مشروع يجب أن يمتلك مؤشرات واضحة: ما كلفته؟ متى يكتمل؟ كم وظيفة يخلق؟ كم إنتاجًا يضيف؟ كم استيرادًا يخفض؟ كم إيرادًا يولد؟ وما كلفة تشغيله بعد الإنجاز؟
وبعد التشغيل يجب أن تكون هناك مرحلة ثانية من التقييم: هل حقق المشروع ما وعد به؟
هذه النقلة من مراقبة الصرف إلى مراقبة الأثر هي جوهر الإصلاح.
المشاريع المتلكئة تكلفة اقتصادية مستمرة
عندما يتلكأ مشروع لا تتجمد الأموال وحدها بل تتجمد معها المنفعة الاقتصادية. طريق لم يكتمل يعني كلفة نقل مستمرة ومصنع لم يدخل الإنتاج يعني وظائف لم تُخلق ومستشفى لم يعمل يعني خدمة لم تصل ومحطة لم تدخل الخدمة تعني طاقة لم تصل إلى الشبكة.
لذلك فإن المشروع المتلكئ يمثل تكلفة اقتصادية مستمرة وليس مجرد تأخير إداري.
والحل ليس الاستمرار في تمويل كل مشروع متعثر بل إعادة تقييم المحفظة الاستثمارية للدولة وتصنيف المشاريع إلى مشاريع قابلة للإكمال ومشاريع تحتاج إلى إعادة هيكلة ومشاريع تحتاج إلى تغيير نموذج التشغيل ومشاريع لا تملك جدوى اقتصادية حقيقية ويجب إيقافها.
هذا ليس تقليصًا للإنفاق بل توجيه للإنفاق نحو ما يستحقه.
الإنفاق الحكومي يجب أن يصنع سوقًا عراقية
يمتلك العراق سوقًا كبيرة لكن ضعف القاعدة الإنتاجية يعني أن جزءًا مهمًا من الطلب يتحول إلى استيرادات وهنا تخسر الدولة جزءًا من الأثر الاقتصادي لإنفاقها.
فعندما تنفذ مشروعًا وتستورد معظم مدخلاته يغادر جزء كبير من الأموال الاقتصاد. أما عندما تشارك الشركات والمصانع العراقية القادرة في سلاسل التوريد فإن الإنفاق يتحول إلى إنتاج ووظائف وضرائب وخدمات ونقل وتمويل واستثمار جديد.
فكلما زادت قدرة العراق على إنتاج ما يشتريه بقيت الأموال داخل الاقتصاد وتضاعف أثرها.
لذلك لا يمكن فصل سياسة الإنفاق عن سياسة الإنتاج.
لا يمكن إصلاح الإنفاق دون إصلاح الإيرادات
خفض الهدر وتحسين كفاءة الإنفاق خطوة ضرورية لكنها لا تكفي وحدها. فالمالية العراقية تحتاج أيضًا إلى توسيع الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح الضرائب والجمارك والمنافذ وتطوير الاقتصاد الرقمي وتقليل الاقتصاد الموازي.
والهدف ليس تحميل المواطن أعباء إضافية وإنما جعل النشاط الاقتصادي الرسمي أكثر قدرة على تمويل الدولة. فكلما توسعت قاعدة الإنتاج الرسمي زادت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات دون الاعتماد الكامل على النفط.
وهنا يصبح الإصلاح المالي قائمًا على مسارين متوازيين: إنفاق أكثر كفاءة وإيرادات أكثر تنوعًا.
من دولة تنفق إلى دولة تستثمر
لا تستطيع الحكومة أن تكون المنتج والممول والمشغل والمنظم لكل شيء. ولهذا يجب أن يتحول القطاع الخاص من متلقٍ للإنفاق الحكومي إلى شريك في خلق القيمة.
الدولة تضع القواعد والقطاع الخاص يستثمر. الدولة تراقب المنافسة والقطاع الخاص ينتج. الدولة توفر البنية التحتية والقطاع الخاص يضيف رأس المال والإدارة والخبرة.
وبهذه المعادلة يمكن أن يتحول جزء من الإنفاق الحكومي من تكلفة مستمرة إلى محفز للاستثمار الخاص.
العراق لا يحتاج إلى إنفاق أقل دائمًا
الإصلاح المالي ليس دعوة إلى تقليص الإنفاق بصورة عشوائية. فقد يكون إنفاق مليار دولار على مشروع إنتاجي ناجح أكثر فائدة من إنفاق نصف مليار دولار على مشاريع لا تولد أثرًا مستدامًا.
المعيار ليس: كم أنفقنا؟ بل: ما العائد الذي حصلنا عليه؟
ولهذا يجب أن تصبح إنتاجية الموازنة مؤشرًا أساسيًا في تقييم الأداء الحكومي. فالموازنة الناجحة ليست التي تنفق كامل مخصصاتها وإنما التي تحقق أهدافها بأعلى أثر اقتصادي واجتماعي ممكن.
الخلاصة
العراق ليس فقيرًا بالموارد وإنما يعاني فجوة بين حجم الموارد وحجم النتائج. والتحدي الحقيقي ليس أن تنفق الدولة أقل بل أن تجعل كل دينار تنفقه أكثر قدرة على إنتاج قيمة.
فالدينار الذي يبني مصنعًا يختلف عن الدينار الذي ينتهي أثره بانتهاء السنة والدينار الذي يخفض كلفة الكهرباء يختلف عن الدينار الذي يعالج المشكلة بصورة مؤقتة والدينار الذي يخلق وظيفة إنتاجية يختلف عن الدينار الذي تؤجل المشكلة إلى سنة أخرى.
لذلك فإن العراق لا يحتاج فقط إلى موازنة أكبر بل إلى موازنة أذكى وأكثر إنتاجية ولا يحتاج فقط إلى زيادة الإنفاق بل إلى زيادة العائد من الإنفاق.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الموازنة ليس كم مليارًا أنفقت الدولة وإنما: كم مصنعًا بُني؟ كم وظيفة أُنشئت؟ كم استيرادًا خُفض؟ كم إيرادًا جديدًا تحقق؟ وكم قدرة إنتاجية أضيفت إلى الاقتصاد؟
لأن المشكلة الحقيقية ليست أن العراق ينفق كثيرًا بل أنه لم ينجح بعد في تحويل إنفاقه إلى ثروة.
وهنا يبدأ الفرق بين دولة تدير المال ودولة تستثمر المال في بناء المستقبل.