إصلاح التعليم يبدأ من إصلاح الدولة

د. محمد صديق خوشناو

لم أتعرف إلى التعليم من خلال الكتب والنظريات فقط، بل عشته من الميدان إلى قمة الهرم الأكاديمي.

بدأت مسيرتي معلمًا للمرحلة الابتدائية في قرية نائية، حيث لم تكن الإمكانات كثيرة، لكنني تعلمت هناك أن التعليم الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن المعلم يستطيع أن يصنع فرقًا حتى في أصعب الظروف. ثم انتقلت إلى بغداد، لأعمل معلمًا في مدارس العاصمة، وبعدها مدرسًا في المرحلة الثانوية، ثم واصلت تجربتي التعليمية في بريطانيا، وصولًا إلى التدريس الجامعي.

ولم تتوقف رحلتي عند التدريس؛ فقد أمضيت أكثر من خمسة عشر عامًا في قيادة جامعات حكومية وأهلية، عايشت خلالها التعليم من مواقع متعددة: معلمًا، ومدرسًا، وأستاذًا جامعيًا، ثم مسؤولًا عن إدارة مؤسسات التعليم العالي.

وبالتوازي مع هذه التجربة العملية، كان التخطيط التربوي مجال تخصصي الأكاديمي؛ فكانت أطروحتي للماجستير حول «موقع رياض الأطفال في النظام التربوي في العراق»، بينما تناولت أطروحتي للدكتوراه «تخطيط التعليم التقني والمهني في العراق».

وهكذا امتدت تجربتي من القرية إلى العاصمة، ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن قاعة الدرس إلى قيادة المؤسسات التعليمية، ومن الممارسة الميدانية إلى البحث والتخطيط التربوي.

هذه الرحلة الطويلة جعلتني أصل إلى قناعة راسخة: لا يمكن إصلاح التعليم من داخل المدرسة والجامعة وحدهما، لأن التعليم هو انعكاس للبيئة التي يعمل فيها.

فإذا أردنا إصلاح التعليم في العراق، فعلينا أن نبدأ بإصلاح البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحتضنه.

فلا يمكن أن نطلب من المدرسة أن تصنع جيلًا مبدعًا في بيئة سياسية مضطربة، ولا من الجامعة أن تنتج اقتصادًا معرفيًا في ظل اقتصاد لا يستوعب مخرجاتها، ولا من التعليم التقني والمهني أن ينجح من دون استراتيجية واضحة للقوى العاملة واحتياجات سوق العمل.

لقد علمتني التجربة أن التعليم ليس قطاعًا منفصلًا عن الدولة، بل هو أحد أهم أدوات بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد.

العراق لا يحتاج فقط إلى المزيد من الخريجين والشهادات، بل يحتاج إلى إنسان متعلم، ماهر، منتج، قادر على التفكير والابتكار والمنافسة. وهذا يتطلب رؤية وطنية طويلة الأمد تربط التعليم بالتنمية، وتعيد للمعلم مكانته، وتطور المناهج، وتدعم البحث العلمي، وتعطي التعليم التقني والمهني المكانة التي يستحقها.

كما أن التخطيط للتعليم يجب ألا يكون منفصلًا عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي؛ فقبل أن نفتح تخصصًا جديدًا أو نوسع مؤسسة تعليمية، يجب أن نسأل: ما الذي يحتاجه العراق؟ وما التخصصات التي يحتاجها المستقبل؟ وأين سيعمل خريجونا؟

إن العراق يمتلك الموارد والعقول والطاقات البشرية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في حسن التخطيط والإدارة وتحويل هذه الإمكانات إلى مشروع وطني مستدام.

لذلك، فإن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يكون مسؤولية وزارة التربية أو التعليم العالي وحدهما، بل يجب أن يكون مشروع دولة، يبدأ بإصلاح البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية، وينتهي ببناء منظومة تعليمية قادرة على الاستجابة لحاجات العراق وصناعة مستقبله.

ومن واقع تجربتي، أؤمن أن إصلاح التعليم ممكن، وأن الرؤية التي تجمع بين التخطيط التربوي، وإصلاح البيئة العامة، وربط التعليم بالتنمية وسوق العمل، يمكن أن تمهد الطريق لإصلاح شامل ومستدام للتعليم في العراق.

فالتعليم ليس مجرد مدرسة أو جامعة أو شهادة؛ إنه بناء الإنسان، ومن يبني الإنسان يبني الوطن.

قد يعجبك ايضا
∧