زهير كاظم عبود
تلتزم الدولة العراقية دستوريا بإصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة ، وبما يضمن استثمار كامل الموارد ، وتنويع مصادر الدخل ، وتشجيع القطاع الخاص وتثمينه ، هذا الالتزام نصت عليه المادة ( ٢٥ ) من الدستور ، فاذا كان هذا الالتزام على عاتق الدولة فماهو دور الشعب في مساندة الحكومة للارتقاء بالاقتصاد العراقي للإسراع بتجاوز الازمة التي ورثناها منذ العهد السابق ؟
الاقتصاد العراقي اليوم يمر بأزمة متعددة الابعاد ، واعتماد الاقتصاد على إيرادات النفط يجعل الحكومة أسيرة تقلبات الأسعار العالمية ، بالإضافة الى القيود التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على حركة الدولار ، وما يلحق الخزينة العراقية من اضرار نتيجة توسيع دائرة العقوبات على الشبكات التجارية والمالية ، المعاناة تبدو اكثر وضوحا في إدارة الانفاق العام وضمان استمرار الرواتب للموظفين والمتقاعدين ، وما تجده الحكومة من عوائق تشجع الاستثمارات في جميع القطاعات ، بالإضافة الى تقلبات أسعار العملة الصعبة التي يتم استيراد المواد الغذائية بموجبها .
تواجه الحكومة ديونا تثقل كاهل الخزينة ، وتحاول بقدر ما تستطيع من خطط واسس كفيلة لمحاولة تخفيض تلك الديون او السيطرة عليها ، وتحاذر من الاعتماد على القروض والاقتراض مع وجود طبقة اقتصادية طفيلية استفادت ولم تزل من الوضع المالي الهش الذي تمر به البلاد ، وإزاء كل هذا يقع على عاتق أي مجموعة تأخذ على مسؤوليتها مسيرة السلطة التنفيذية ان تقوم ببذل كل الجهود لترميم وإصلاح أسس الاقتصاد العراقي ، والارتقاء بالواقع الاقتصادي بما يمكنها من السيطرة والرقابة الاقتصادية والمالية للبلاد .
الا ان مواجهة الحكومة لهذه المعضلة المتعلقة بحياة ومستقبل العراقيين بحاجة لمساندة ومواقف وطنية من كل قطاعات الشعب العراقي ، فالمواجهة لا تكتمل بالتمنيات والتضامن ، ولا في إيجاد طرق لفرض ضرائب تثقل كاهل المواطن او تعرقل عمليات الاستثمار ، والجميع هنا معني ان يأخذ دوره الإيجابي في الحد من الفساد الذي يستنزف موارد الدولة الضخمة ، وهو ما شرعت به الحكومة ويساندها القضاء العراقي لتتحمل مرحلة الموقف الوطني المساند للزراعة والصناعة العراقية ، واستيعاب المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق دون اللجوء الى تعطيل الاستقرار او الامن او التخريب وقطع الطرق ، والمساهمة في تنويع هيكل الاقتصاد العراقي عبر الانخراط بالقطاع الخاص المنتج بديلا عن الاعتماد على الوظيفة الحكومية العامة ، بالإضافة الى التوسع بعمليات الادخار وإعادة الثقة بالمصارف العراقية والتعامل الرقمي بديلا عن التعامل النقدي بقدر الإمكان ، والسيطرة على الإيرادات الضريبية ومنافذ الحدود والجمارك ،والمشكلة بشكل مبسط لا تعني ازمة السيولة العابرة وعدم الثقة بالمصارف العراقية من قبل المواطن العراقي بقدر ما تشكل القلق الذي يعيشه المواطن العراقي نتيجة الاشاعات والاخبار التي تروج لها صفحات إعلامية مغرضة ، فالعراق بلدا منتجا ومتمكنا اقتصاديا ورثت حكوماته تخريبا وانتهاكا اقتصاديا امعن في تشويه اقتصاده ، ما يتطلب تفاعلا بين الإصلاح الحكومي والمساندة الشعبية .
المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد العراقي ليس في إمكانية تنفيذ ما تلتزم به الحكومة في برنامجها الذي تقدمت به لمجلس النواب ، انما تكمن في الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي للنص ، ومنذ إقرار الدستور العراقي وتعدد الحكومات المتعاقبة لم تزل السياسة الاقتصادية تضع الإيرادات النفطية اعتمادا كبيرا للحياة في العراق ، في الوقت الذي بدأت تتردى قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والخدمات بشكل عام ، بينما بالإمكان تحويلها الى مصادر دخل حقيقية ومهمة تسهم في تعزيز الدخل والاقتصاد العراقي ، والالزام الذي يقيد الحكومة يعني انشاء بيئة اقتصادية وقانونية تقوم على المنافسة المشروعة ، وعلى تبسيط الإجراءات التي ورثناها منذ عهد الدولة العثمانية ، والاستمرار بمحاربة الفساد بكل اشكاله ، والمزيد من تعضيد استقلالية القضاء و ضمان تنفيذ العقود والمشاريع في الفترات الزمنية المحددة لها .
الاقتصاد العراق بحاجة ماسة لوقف الهدر والانفاق غير الضروري ، والتدقيق في الرواتب المزدوجة والوظائف الفضائية ، والمصروفات غير المنتجة ، ومراجعة كافة العقود الحكومية ، وتبسيط عمليات تأسيس الشركات الخاصة من خلال اختزال عمليات التسجيل والرسوم والدعم الحكومي والقروض الميسرة وحماية تلك الشركات ضمن القطاع الخاص ، والتوجه لشراء المنتج العراقي وتفضيله على المنتج المستورد في حال انها مطابقة للمواصفات المطلوبة ،على ان تكون معالجة ملف الكهرباء من الأولويات التي تسهم في دعم الدورة الاقتصادية ، واستغلال الغاز المحلي والطاقة الشمسية مؤقتا ريثما تتم السيطرة بشكل تام ، ودعم انتاج السلع العراقية وحماية تلك المنتجات من المنافسة الأجنبية والمنافسة غير العادلة ، وإعادة الثقة بالمصارف العراقية وربطها بالنظام المصرفي الدولي .
لا نعاني من نقص الموارد انما نعاني من ضعف إدارة هذه الموارد وتحويلها الى انتاج وفرص عمل ، بالإضافة الى ان لا ينبغي الاعتماد والتعامل مع النفط باعتباره مصدر لتمويل الرواتب والنفقات الجارية انما ينبغي ان يتم اعتباره راس مال لبناء اقتصاد متنوع يسهم في رفع إمكانيات نمو الاقتصاد .