فيصل اسماعيل اسماعيل
يدخل الكورد في سوريا مرحلة سياسية جديدة بعد انتهاء تجربة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية بصيغتها السابقة. وهي مرحلة تحمل مخاطر كبيرة، لكنها تفتح في الوقت نفسه فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الواقع بالقوة والسلاح إلى تثبيت الحقوق القومية والسياسية والدستورية عبر الحوار والتفاوض.
السؤال الأهم اليوم لم يعد: من يملك السلاح؟ بل: من يمثل الكورد سياسياً؟ ومن يستطيع انتزاع ضمانات دستورية حقيقية لحقوقهم؟
في هذا السياق، يبرز المجلس الوطني الكوردي بوصفه أحد أهم الأطر السياسية الكوردية وأكثرها وضوحاً في طرح القضية الكوردية ضمن مشروع وطني سوري. ولا يمكن القول إنه الممثل الوحيد لكل الكورد، فالشعب الكوردي أكبر من أي حزب أو إطار سياسي، لكن انتهاء مرحلة قسد والإدارة الذاتية يمنح المجلس فرصة حقيقية ليصبح الممثل السياسي الرئيسي، إذا استطاع توسيع قاعدته، وتطوير مؤسساته، وتوحيد القوى الكوردية حول مشروع جامع.
لكن المجلس نفسه ليس بعيداً عن النقد. فقد عانى خلال السنوات الماضية من البطء في اتخاذ القرار، والخلافات الحزبية الداخلية، وضعف الحضور الجماهيري والإعلامي في بعض المراحل، والحاجة إلى تجديد القيادات وإفساح المجال أمام الكفاءات والشباب. ولذلك فإن المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى مجلس يدير أزماته القديمة، بل إلى إطار سياسي أكثر جرأة ومرونة وقدرة على اتخاذ القرار.
أما حزب الاتحاد الديمقراطي، فإن المشكلة لم تكن في الاسم وحده، رغم أن عدم حمله الصفة الكوردية يطرح تساؤلات سياسية وهوياتية لدى قطاع من الكورد، بل في السياسات التي انتهجها خلال سنوات سيطرته. فقد أدى التفرد بالقرار وإقصاء القوى الكوردية الأخرى، وإضعاف التعددية السياسية، وربط مستقبل المناطق الكوردية بصراعات وأجندات عسكرية وتنظيمية تتجاوز خصوصية القضية الكوردية في سوريا، إلى إضعاف الموقف الكوردي وإضاعة فرص مهمة لبناء مرجعية وطنية جامعة.
ومع انتهاء تلك المرحلة، يجب ألا يقع الكورد في خطأ البحث عن بديل يحتكر القرار من جديد. فالمطلوب اليوم هو مرجعية سياسية كوردية موحدة، يمكن أن تنشأ من خلال مؤتمر كوردي جامع، يضم المجلس الوطني الكوردي والقوى السياسية والشخصيات الوطنية والكفاءات المستقلة، ويحدد بوضوح وفداً تفاوضياً موحداً ومطالب قومية مشتركة.
وهنا تبرز مسؤولية الحزب الديمقراطي الكوردستاني–سوريا والقوى المنضوية في المجلس الوطني الكوردي. فالمرحلة لا يمكن قيادتها بالشرعية التاريخية وحدها، بل تحتاج إلى كفاءات سياسية وتفاوضية جديدة، وإلى خطاب يستطيع مخاطبة الكورد ودمشق والمجتمع الدولي في آن واحد.
أما تأمين الحقوق الكوردية، فيجب أن يبدأ من مطلب أساسي وواضح: الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية في سوريا. فالحقوق التي لا تُثبت في الدستور تبقى عرضة للتراجع بتغير الحكومات والظروف السياسية.
ويجب أن يشمل الحل الدستوري الاعتراف باللغة الكوردية وضمان حق التعليم بها، وتأمين تمثيل سياسي عادل للكورد في مؤسسات الدولة، وتطبيق لامركزية حقيقية تضمن مشاركة السكان في إدارة شؤونهم، ومعالجة آثار السياسات الاستثنائية السابقة وكل المظالم التي تعرض لها الكورد.
أما الموقف الدولي، فيجب التعامل معه بواقعية. فالمجتمع الدولي يدعم استقرار سوريا ووحدتها السياسية أولاً، ولا يبدو مستعداً لدعم كيان عسكري مستقل أو مشروع انفصالي. ولذلك فإن أفضل طريق أمام الكورد هو ربط قضيتهم بمشروع بناء دولة سورية ديمقراطية، تعددية ولا مركزية، يكون فيها تأمين الحقوق الكوردية جزءاً من استقرار سوريا، لا قضية منفصلة عنه.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه إقليم كوردستان وقيادته. فالإقليم لا يستطيع أن يحل محل الكورد في سوريا، لكنه يمتلك علاقات سياسية ودبلوماسية واسعة يمكن تسخيرها لدعم المجلس الوطني الكوردي والقوى الكوردية، ورعاية مشروع حقيقي لتوحيد الصف.
إن المطلوب من قيادة إقليم كوردستان ليس الدعم المعنوي فقط، بل المساعدة في:
توحيد القوى الكوردية السوريةوالتي عملت سابقا عليهافي مرحلة الثورة السورية وعقدت عدة اتفاقيات بين القوى الكوردية لاجل توحيد رؤية سياسية مشتركة.
رعاية اتفاق أو مؤتمر كوردي جامع.
استخدام العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن وباريس والعواصم الأوروبية لدعم الحقوق الكوردية.
التأثير السياسي على الحكومة السورية المؤقتة من أجل تثبيت الحقوق القومية للكورد في الدستور.
منع تكرار حالة الانقسام التي أضعفت القضية الكوردية طوال السنوات الماضية.
إن المجلس الوطني الكوردي أمام فرصة تاريخية، لكنه لا يملك تفويضاً مفتوحاً ولا حقاً دائماً في قيادة المرحلة. شرعيته الحقيقية يجب أن تُكتسب من قدرته على تمثيل أوسع قاعدة ممكنة من الكورد، وتوحيد القوى السياسية، وانتزاع نتائج ملموسة في الدستور السوري.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للكورد بعد انتهاء مرحلة قسد والإدارة الذاتية هو أن يتحولوا من قوة سياسية مؤثرة إلى شعب ينتظر الآخرين ليقرروا مصيره. فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى احتكار جديد للقرار، ولا إلى صراعات حزبية قديمة، بل إلى قيادة سياسية موحدة، ومرجعية قومية جامعة، ووفد تفاوضي قادر على تحويل المطالب الكوردية من شعارات إلى نصوص دستورية وضمانات دائمة.
إن مستقبل الكورد في سوريا لن يُحسم بمن يملك السلاح، بل بمن يملك الرؤية السياسية، والقدرة على التوحيد، والدعم الدبلوماسي، والإرادة لتحويل الحقوق القومية إلى حقيقة دستورية لا يستطيع أحد تجاوزها.