انس الشيخ مظهر
تقول رواية قديمة إن اسم «الشام» مأخوذ من سام بن نوح، وأن اسمه بالسريانية «شام» وبالعبرية «شيم»، وقد نقل هذه الرواية ابن عساكر عن ابن المقفع في كتابه تاريخ دمشق. وسواء كانت هذه الرواية هي التفسير اللغوي الحاسم أم لا، فقد ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية كرمز لأرض واحدة، ضمت سوريا ولبنان وفلسطين. وهذا المقال ينقل هذه الرواية من كتب الأنساب إلى واقع السياسة: ماذا لو تحولت أرض سام من ساحة يقتتل فيها أحفاده إلى أرض يتصالحون عليها؟
تسعون عاماً من القتل المتبادل، ولا يزال من يبيع الوهم نفسه :- لدينا جولة قادمة، أو قصفاً أعنف، أو احتلالاً أوسع، سيحسم ما عجزنا عن حسمه كل الجولات السابقة. هذا ليس تحليلاً سياسياً، بل عناد يُصبغ بصغة الاستراتيجية.
الصراع العربي الإسرائيلي، بامتداداته في سوريا ولبنان وفلسطين، لم يعد نزاعاً بين طرفين يملكان قرارهما , تحول إلى سوق مفتوحة تتاجر فيه قوى كبرى وإقليمية بدماء لا تخصها. المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، بحشودها وتهديداتها وساحاتها المفتوحة في لبنان والمنطقة، ليست سوى الوجه الأحدث لصراع تحول إلى مصدر رزق دائم لصناعة السلاح وتجارة النفوذ. دول فقدت قرارها السيادي فباتت منصات إطلاق لحروب غيرها، وشعوب لا ذنب لها تُقايض أمنها ولقمة عيش أبنائها بمصالح لا تعنيها في شيء.
والمفارقة أن كل هذا الخراب لم ينتج، بعد تسعة عقود، شيئاً واحداً يمكن ان نسميه بـ«الانتصار». لا الحروب أنهت وجود طرف، ولا الاحتلال ألغى مطلب السيادة عند الطرف الآخر. طرف يقتل ويدمر ويحتل، ثم يكتشف بعد سنوات أن الطرف الآخر لا يزال هناك، بمطالبه نفسها وغضبه المتراكم. من يصر اليوم على أن الحل العسكري لا يزال ممكناً، إنما يطلب من التاريخ أن يكذب على نفسه مرة أخرى، وأن يدفع الثمن اجيال لم تشارك في خلق هذا الصراع.
ثم جاء من يبيع للمنطقة حلاً بلا كلفة: «الدين الإبراهيمي». عناق رمزي أمام الكاميرات، وتوقيع اتفاقيات تطبيع تُقدَّم على أنها إنجاز تاريخي، بينما الحدود لم تتحرك سنتيمتراً واحداً، واللاجئون لا يزالون في مخيماتهم، والقدس لا تزال ساحة نزاع لا مدينة سلام. هذه المقاربة لم تكن حلاً سياسياً بقدر ما كانت غطاءً دبلوماسيا أنيقاً لتأجيل الاستحقاقات الحقيقية على غرار “من يحكم، ومن يملك الأرض، ومن يقرر مصيره بنفسه”. الأصل الديني المشترك حقيقة تاريخية لا خلاف عليها، لكن استخدامه بديلاً عن التفاوض على السلطة والسيادة هو خداع سياسي ، يمنح صانعيه صورة تصالح دون أن يكلفهم شيئاً من الجلوس الفعلي لحل المشكلة. وسنوات التطبيع الرسمي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية أثبتت ذلك بلا رحمة , فلا تقدم في ملف واحد من الملفات الجوهرية، لأن المصافحة لا تعالج قضية أرض.
والمسؤولية الأعمق تقع على نموذج سياسي عجز عن الاعتراف بحقيقة هذه المنطقة منذ رُسمت حدودها الحديثة على الورق , ففرض هوية وطنية واحدة على واقع اجتماعي متعدد الأديان والطوائف والقوميات، كأن التنوع خطأ يجب تصحيحه بالقمع لا إدارته بالعقل. حين يُحشر هذا التنوع في قالب مركزي واحد، لا ينتج استقراراً، بل ينتج أزمات شرعية متكررة ودولاً هشة تحكمها هواجس البقاء لا مشاريع البناء، كما أثبتت سوريا ولبنان على مدى عقود من الانهيارات المتلاحقة. لهذا فإن من يستمر اليوم في الدفاع عن الدولة المركزية الأحادية في هذه المنطقة تحديداً، إما لا يقرأ التاريخ، أو يقرأه ويتجاهله عمداً لأن الفوضى تخدم مصالح ضيقة. الفدرالية هنا ليست ترفاً نظرياً مستورداً من كتب السياسة المقارنة، بل الثمن الذي يجب دفعه أخيراً بعد أن فشلت كل الأثمان الأخرى.
الحل الوحيد لمشكلة احفاد سام في هذه المنطقة هو اتحاد فدرالي إقليمي يضم أربعة كيانات فدرالية داخلية، يحتفظ كل منها بحكم ذاتي واسع، بينما تُدار الملفات السيادية الكبرى عبر مؤسسات فدرالية مشتركة. سوريا فدرالية، تعيد توزيع السلطة بين مكوناتها وأقاليمها ضمن دستور واحد، بما ينهي دورة الصراع الداخلي على الحكم المركزي. لبنان فدرالي، يحوّل التعددية الطائفية من عامل شلل سياسي إلى نظام إداري لامركزي واضح الصلاحيات. فدرالية فلسطين، تضم غزة والضفة الغربية والبلدات والمناطق العربية داخل إسرائيل، كإطار دستوري يمنحها تمثيلاً سياسياً وإدارياً فعلياً بدل الانتظار غير المحدد لحل الدولتين. فدرالية إسرائيل، التي تحتفظ بمؤسساتها القائمة وإدارتها الذاتية ضمن الاتحاد الإقليمي.
تُدار على المستوى الفدرالي الأعلى ملفات الدفاع المشترك، والسياسة الخارجية، والعملة، والسوق الاقتصادية الموحدة، والمياه، والبنية التحتية، والحدود الخارجية. هذا التوزيع يحوّل السؤال من «لمن تكون السيادة الكاملة على الأرض؟»، وهو سؤال لا حل له، إلى سؤال قابل للتفاوض وهو “كيف تُوزَّع الصلاحيات بين المستوى المحلي والمستوى الفدرالي؟”.. في هذا الإطار، يُحل ملف اللاجئين ضمن اقتصاد إقليمي مفتوح بدل التوطين القسري أو التهجير، وتُحسم مسألة عرب الداخل بمنحهم تمثيلاً فدرالياً بدل الاكتفاء بالمواطنة الفردية، وتصبح القدس ولاية فدرالية خاصة بنظام دستوري مستقل وضمانات دولية لحرية العبادة والوصول إلى المقدسات.
لا فائدة من التظاهر بأن الثقة متوفرة بين أطراف قضى كل طرف منها عقوداً يُقنع شعبه بأن الآخر عدو وجودي لا شريك محتمل. من يطلب من هذه الأطراف أن تدير مؤسسات مشتركة من اليوم الأول، إنما يطلب المستحيل ويعرف أنه مستحيل. لتفادي هذه العقدة، تُدار المرحلة الانتقالية عبر «مجلس سلام دولي»، على غرار الصيغ المطروحة حالياً لإدارة قطاع غزة وإعادة إعماره، لكن بولاية إقليمية أوسع تشمل الاتحاد بأكمله. يحصل هذا المجلس على تفويض أممي محدد المدة والصلاحيات، يخوّله الإشراف على نزع السلاح غير الشرعي، ومراقبة وقف إطلاق النار، والإشراف على بناء أجهزة أمنية ومدنية فدرالية مشتركة. بهذا يُنزع الغطاء عن أي طرف إقليمي أو دولي يسعى لاستخدام الفوضى لفرض نفوذه، وتُبنى الثقة تدريجياً إلى أن تصبح مؤسسات الاتحاد قادرة على إدارة نفسها دون وصاية خارجية.
إلى جانب البنية الدستورية والأمنية، تحتاج الفدرالية إلى أدوات اقتصادية وسياسية تجعل التكامل مصلحة ملموسة لا شعاراً نظرياً , فربط الموانئ الإقليمية (بيروت، حيفا، طرطوس) بخط سكة حديد واحد، يحوّل حركة التجارة إلى مصلحة مشتركة تخسرها كل الأطراف إذا عاد القتال , إنشاء صندوق ثقة إقليمي، تُودَع فيه عائدات الغاز والمياه المشتركة، ويُدار بإشراف دولي شفاف، لتمويل إعادة الإعمار بمعزل عن الحسابات السياسية اليومية , اعتماد جواز مرور فدرالي مؤقت، يتيح تنقلاً محدوداً بين الأقاليم لأغراض العمل والتجارة، كخطوة تبني الثقة قبل اكتمال الاندماج المؤسسي الكامل؛ إنشاء هيئة فنية مستقلة لإدارة المياه والكهرباء، بمعزل عن القرار السياسي اليومي، بحيث لا تتحول شبكات الحياة اليومية إلى ورقة ضغط في أي أزمة مقبلة؛ وتشكيل مجلس استشاري شبابي فدرالي، يمنح الجيل الذي لم يصنع هذا الصراع تمثيلاً في رسم مستقبل المنطقة.
استُنفدت خيارات الحسم العسكري على مدى عقود دون أن تنتج تسوية سياسية واحدة، ومع ذلك لا يزال بعضهم يطالب بجولة أخرى، وكأن الجولة المئة ستنجح فيما فشلت فيه التسعون. الحقيقة التي يرفض كثيرون مواجهتها هي أن استمرار هذا الصراع صار يخدم فقط من يتاجر به: تجار السلاح الذين يجدون في كل تصعيد سوقاً رائجة، وأنظمة تستخدم القضية غطاءً لتأجيل الإصلاح الداخلي، وقوى دولية تفضل إقليماً مشتعلاً على إقليم مستقر لا تحتاج فيه إلى وصاية. أما الثمن فيدفعه دائماً من لا صوت له: المدنيون، والأطفال، والاقتصادات المنهارة. فدرالية الشام، بإشراف انتقالي من مجلس سلام دولي، ليست دعوة عاطفية للتصالح، بل فاتورة سياسية طويلة التأخير: لا تصفية لأي طرف، ولا انتظار لحسم عسكري لن يأتي، بل نظام إقليمي يقطع الطريق أخيراً على كل من يعيش على بقاء هذا الصراع مفتوحاً.