الفساد السياسي بين المواطن والمسؤول

محمد الكعبي

إن أخطر ما يواجه الدولة ليس الفساد المالي وحده، بل الفساد الذي يصيب عقلها وقرارها ومؤسساتها، فالفساد السياسي لا يعني فقط أن تمتد يدٌ فاسدة إلى المال العام، وإنما يعني أيضا أن تمتد يدٌ سياسية إلى الموقع العام، فتنتزع حق الكفوء وتمنحه لغير الكفوء،
حين يُستبعد صاحب الخبرة لأن ولاءه أقل، ويُقدَّم الجاهل لأن ولاءه أكبر، فإن الدولة لا تخسر موظفا أو مديرا أو مسؤولا كفوءا فحسب؛ إنها تخسر قرارا صحيحا، ومؤسسةً قادرة، وفرصةً للتنمية، وربما سنوات من عمر الوطن.
وحين يصبح الانتماء الحزبي أو العشائري أو المناطقي جواز مرور إلى المناصب، تتحول الدولة تدريجيا من مؤسسة عامة لخدمة المواطنين إلى مساحة تتقاسمها القوى السياسية وفق موازين النفوذ والولاء، عندها لا يعود السؤال: من الأكفأ؟ ومن الأكثر نزاهة؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة هذا الموقع؟ بل يصبح السؤال: لمن ينتمي؟ ومن يقف خلفه؟ وكم صوتا يستطيع أن يضمن؟ وكم نفوذا يمكن أن يضيفه إلى الجهة التي رشحته؟ وكم ولائه؟
وهنا تكتمل دائرة الخلل: مواطن يبيع صوته، وحزب يشتري ولاءه، وقيادة سياسية تقدم الولاء على الكفاءة، ومسؤول غير مؤهل يُمنح موقعا أكبر من قدرته، ثم يُطلب من الدولة أن تنجح!
إن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذا الواقع ليس عدلا، كما أن إعفاءه منها ليس صحيحا، فالناخب مسؤول عن اختياره، لكن الحزب والقيادة السياسية يتحملان مسؤولية أكبر عندما يصنعان قواعد الاختيار، ويقرران من يصل إلى مواقع السلطة، ويقدمان الاعتبارات الحزبية أو الشخصية أو العشائرية على معيار الكفاءة والنزاهة ولهذا فإن الفساد السياسي لا يبدأ دائما من لحظة سرقة المال العام؛ قد يبدأ قبل ذلك بكثير، من لحظة اختيار الشخص الخطأ للموقع الخطأ.
وقد يسرق الفاسد ملايين من المال العام، ويمكن للقضاء أن يستعيد جزءا منها، لكن المسؤول غير الكفوء قد يسرق من الدولة ما هو أثمن من المال: يسرق القرار الصحيح، ويعطل المشروع، ويهدم المؤسسة، ويؤخر التنمية، ويبدد فرص الأجيال ويدمر مجتمع وينهي حضارة.
فالمال الذي يُسرق يمكن أن يُسترد، والمشروع الذي يُهدر يمكن أن يُعاد، أما السنوات التي تضيع بسبب قرار سياسي أو إداري خاطئ فلا يمكن إعادتها، ومن هنا، فإن إصلاح الدولة لا ينبغي أن يختزل في تغيير الوجوه أو استبدال حكومة بحكومة، وإنما يجب أن يبدأ من إصلاح فلسفة الحكم نفسها: إصلاح ثقافة الاختيار، وإعادة الاعتبار للكفاءة، وتجريم المحاصصة حين تتحول إلى وسيلة لإقصاء الأكفأ، وربط المسؤولية بالقدرة، والمنصب بالأمانة، والسلطة بالمحاسبة ، الدولة لا تنهض عندما يحصل كل حزب على حصته، ولا عندما يحصل كل مكوّن على نصيبه من المناصب، وإنما تنهض عندما يحصل الوطن على أفضل من يستطيع خدمته.
إن الدولة التي تضع الكفوء في مكانه الصحيح تبني مؤسسة، والدولة التي تضع غير الكفوء في مكانه الخطأ تبني أزمة،
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الفساد الذي يسرق المال، بل مع العقلية التي تسرق الكفاءة، ومع الثقافة التي تبيع الصوت، ومع السياسة التي تشتري الولاء، ومع المنظومة التي تجعل المنصب مكافأةً للانتماء بدل أن يكون أمانةً أمام الشعب، فالفساد المالي قد ينهب خزينة الدولة، أما الفساد السياسي فينهب مستقبلها،
وهنا تحديدا تبدأ مسؤولية الجميع: المواطن الذي يختار، والحزب الذي يرشح، والمسؤول الذي يتولى، والدولة التي تحاسب، فلا يمكن أن نطالب الدولة بالنجاح، ونحن نصرّ على إنتاج الفشل بالطريقة نفسها ولا يمكن أن ننتظر دولة قوية بعقلية سياسية تضع الولاء فوق الكفاءة، والمصلحة الحزبية فوق المصلحة الوطنية، والشخص فوق المؤسسة.
إن إصلاح الدولة يبدأ عندما يصبح السؤال الأول عند توزيع المسؤوليات: ماذا يستطيع هذا الإنسان أن يقدم للبلد؟ لا: إلى من ينتمي؟
وعندها فقط يمكن أن نبدأ ببناء دولة لا تُدار بالغنائم، ولا تُحكم بالولاءات، ولا تُقاس قوتها بعدد الأحزاب التي تتقاسمها، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وإدارة مواردها، وصناعة مستقبلها، فالمشكلة ليست أن النظام السياسي يفتقر إلى الرجال القادرين، بل أن منظومة الاختيار كثيرا ما تمنع القادر من الوصول، وتفتح الطريق أمام من لا يملك إلا الولاء، وهذه ليست مشكلة أشخاص فقط؛ إنها مشكلة عقلية سياسية، وما لم تتغير هذه العقلية، فسيظل تغيير الأشخاص مجرد تدوير للأزمة، لا إصلاحا للدولة.

قد يعجبك ايضا