د. ايوب صابرگلالي
يمرالعراق بمرحلة مفصلية تتداخل فيها الأزمات الهيكلية بشكل يصعب معه معالجة أي ملف بعيداً عن المنظومة الشاملة للدولة، فالعجزالمالي ليس مجرد تقلبات عابرة في أسعار النفط، وتعدد مراكز القوة والسلاح ليس تحدياً أمنياً بحتاً، كما أن الخلافات بين بغداد وأربيل تتجاوز مسألة النفط والرواتب لتسلط الضوء على مدى التزام الحكومة الاتحادية بالفيدرالية وحق الإقليم الدستوري في إدارة شؤونه، وفي الوقت ذاته تظل السياسة الخارجية صدى مباشرلمستوى الاستقرارالداخلي ومدى امتلاك القرار السيادي المستقل.
إن جوهرالاشكالية العراقية يكمن في الفجوة المتنامية بين المؤسسات الدستورية الناشئة وبين شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني التي تشكلت خارج الأطر الرسمية، وللخروج من هذا الانسداد، يحتاج البلاد إلى مشروع وطني ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويرسم أطر العمل بين السلطة الاتحادية والإقليم، بما يضمن احترام الحقوق التاريخية والدستورية لإقليم كوردستان ومنع محاولات التهميش أو التضييق المالي والسياسي عليها.
تبدأ أولى مواطن الإصلاح من الهيكلية المالية، فالهشاشة الاقتصادية تضع البلاد تحت رحمة التقلبات في أسعار النفط العالمية، مما يجعل الإنفاق العام مستهدفاً مع كل صدمة سعرية، ولا تكمن المشكلة في طبيعة الاقتصاد الريعي فحسب، بل في تعطل القطاعات الإنتاجية كـالزراعة، الصناعة، السياحة، والخدمات، وغياب البيئة الاستثمارية بسبب الفساد والتكلس الإداري في المركز، لذا فإن الإصلاح لا يعني فرض أعباء إضافية على المواطنين أو استخدام قوت الموظفين وأقوات شعب الإقليم كأداة للضغط السياسي، بل يبدأ بضبط النفقات غيرالمنتجة، مكافحة الهدروالفساد وتوجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع تنموية تنوع مصادر الدخل.
وعلى الصعيد الأمني، يمثل احتكارالدولة لاستخدام القوة عبر مؤسساتها الأصولية المقوم الأساسي للبناء السياسي السليم، إن وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار السيطرة المباشرة يؤدي إلى تآكل هيبة الدولة وتحول السلاح إلى أداة لفرض الإرادات السياسية، بل واستهداف استقرار الإقليم والمنشآت الاقتصادية الحيوية فيه، لذلك، فإن ترسيخ مبدأ “حصر السلاح بيد الدولة” يعد التزاماً دستورياً يتطلب حواراً سياسياً شاملاً، وبناء مؤسسة أمنية وعسكرية محترفة تبتعد عن التجاذبات الفئوية وتعتمد على الشراكة الأمنية الحقيقية مع قوات الپيشمرگة كجزء أساسي من منظومة الدفاع الوطنية.
وفي الملف الاتحادي، تظل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان اختباراً حقيقياً لمدى نجاح التجربة الفيدرالية، لقد تسبب التفسيرالأحيائي ومحاولات التراجع عن الاتفاقات السياسية والتجاوزعلى الحقوق المكتسبة للإقليم في تراكم أزمات الثقة، والانتقال من إدارة الصراع إلى تنظيم الشراكة يتطلب الامتثال التام للدستور والتأكيد على حقوق الإقليم في إدارة موارده وتأمين رواتب مواطنيه دون تسويف، مع تشريع قانون النفط والغازالاتحادي برؤية توافقية تضمن التوازن وتمنع المركزية المفرطة.
أما على مستوى المحيط الخارجي، فيفرض الموقع الجغرافي للعراق حتمية التفاعل مع الجوارالاقليمي والدولي، لكن التحدي يكمن في تأثر القرارالوطني بتجاذبات المحاور، ما جعل الأراضي العراقية عرضة للتجاذبات السياسية والعسكرية، والحل يكمن في تبني عقيدة خارجية قائمة على المصالح الوطنية المشتركة والحياد الإيجابي، والانفتاح على التجارب الناجحة في التنمية والاستثمار كما يجسدها نموذج الإقليم، وتحويل العلاقات إلى شراكات اقتصادية ومشاريع ربط قارية، مع التزام تام بعدم جعل العراق منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو عرضة لانتهاك سيادته.
إن الأزمات العراقية ليست قطاعات منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة يمثل ضعف إدارة الدولة والابتعاد عن الشراكة الوطنية الحقيقية محركها الأساسي، يمتلك العراق المقومات البشرية والمادية والموقع الجغرافي للتحول إلى مركز ثقل واستقرار، لكن هذا التحول مرهون بالإرادة السياسية للانتقال من منطق الهيمنة وتأزيم الخلافات مع أربيل إلى منطق بناء الدولة المؤسساتية الفيدرالية التي تطبق الدستور بروح الشراكة وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.