“صفقة الـ800 مليون دولار من السلاح الأمريكي.. أين حصة البيشمركة منها؟”

انس الشيخ مظهر

ثمة صفقات سلاح تُقرأ بالأرقام، وثمة صفقات تُقرأ بما تسكت عنه. وصفقة الثمانمئة مليون دولار التي وافقت واشنطن مبدئياً على منحها للعراق تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تكتفي بتسليح جيش، بل ترسم بصمتها أكثر مما ترسم بنودها خريطة جديدة لمن يُعتبر “عراقياً بما يكفي” ليُسلَّح، ومن يُترك على هامش المعادلة.

التوقيت وحده يستحق التأمل. فهذه أول صفقة عسكرية أمريكية كبرى تُبرم مع بغداد في اللحظة ذاتها التي يستعد فيها العراق لطي صفحة الوجود العسكري الأمريكي بالكامل، والانتقال إلى مرحلة يُفترض أن يقف فيها على قدميه أمنياً. الصفقة، بمروحياتها ومنظومات استطلاعها واستشعارها وتدريبها ودعمها اللوجستي، تُخاطب حكومة بغداد وحدها , أما البيشمركة وهي القوة التي طالما وُصفت بأنها “خط الدفاع الأول” في أشد لحظات العراق حرجاً، فلا يظهر لها موقع واضح في النص، وكأن الجغرافيا الأمنية للعراق تتوقف عند خط أزرق لم يعد له وجود قانوني.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا عند بند التسليح، بل عند بند المنطق السياسي الذي يحكمه.

الحكومة العراقية هي التي أصرّت وتحت وطأة ضغط سياسي مارسته فصائل مسلحة وقوى موالية لإيران على إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في عموم البلاد، ولم يكن الخطاب يومها يستثني كوردستان , بل كان صريحاً في شمول الإقليم بقرار الخروج. وإذا اختارت بغداد هذا الطريق باسم السيادة، فعليها أن تدرك أن السيادة الحقيقية ليست حقاً تُقتطف من طاولة القرار وتُترك تبعاته على طاولة أخرى.

لا يستقيم منطقياً أن تقول بغداد لواشنطن:- “اخرجوا من كوردستان لأن العراق دولة واحدة ذات قرار واحد”، ثم تقول لأربيل غداة الخروج:- “حمايتكم شأنكم، وتسليحكم ليس أولوية اتحادية”, بل عليها أن تمنح البيشمركة ما يلزمها من قدرات لتتولى هذه المسؤولية بنفسها. أما الجمع بين المطلبين “سيادة القرار من دون سيادة المسؤولية” فهو ما يمكن تسميته بـالوطنية الانتقائية “وطنية تستدعي كوردستان حين يتعلق الأمر بالخريطة والولاء، وتنساها حين يتعلق الأمر بالميزانية والسلاح”.

لم تكن البيشمركة يوماً طرفاً هامشياً في معادلة الأمن العراقي. حين انهارت قطعات كاملة من الجيش العراقي أمام تنظيم داعش وسقطت الموصل، كانت البيشمركة من القوى القليلة التي صمدت وواجهت، وكانت واشنطن نفسها أول من تعامل معها كشريك أمني موثوق في تلك الحرب…

فكيف يُعقل أن تتحول هذه القوة، بعد كل ما قدّمته، إلى قوة “عراقية عند الواجب، كوردية عند الحق”؟ فحين يتعلق الأمر بالقتال والتضحية، تُستدعى البيشمركة بوصفها جزءاً أصيلاً من المنظومة الأمنية العراقية. وحين يتعلق الأمر بالتسليح والتمويل والقرار، تُعامل بوصفها شأناً محلياً لا يعني بغداد. هذه الازدواجية ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي في جوهرها أزمة تعريف: من هو العراقي حين يُوزَّع السلاح؟

وحتى شعار “حصر السلاح بيد الدولة”، وهو شعار مشروع في ذاته حين يُراد به تفكيك الفصائل الموازية للدولة، يفقد مصداقيته إن تحوّل عملياً إلى “حصر السلاح المتطور في بغداد”، بينما تُترك قوة نظامية رسمية، معترف بها دستورياً، لتؤدي واجباً أمنياً موازياً بقدرات أقل مما تفرضه عليها مسؤولياتها.

المطلوب هو أن تكون البيشمركة طرفاً في صياغة عقيدة الدفاع العراقية لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، لا متلقياً لفتات ما بعد التوزيع. وهنا يمكن التفكير بصيغة لم تُطرح سياسياً بالقدر الكافي حتى الآن: إنشاء “مجلس تنسيق دفاعي اتحادي-إقليمي” دائم، تُبنى مهمته على غرار ما تفعله بعض الأنظمة الفيدرالية حين توزّع القدرات العسكرية بين المركز والأقاليم عبر آلية شفافة لا عبر مساومات موسمية كلما لاحت صفقة سلاح في الأفق. مثل هذا المجلس لا يمنح كوردستان جيشاً موازياً، بل يمنح العراق كله ضماناً بأن لا فراغ أمنياً سيُترك لتُقرر الأحداث شكله بدلاً من أن تقرره السياسة.

ثمة بُعد أعمق يستحق التوقف عنده، ولم يحظَ بما يكفي من النقاش وهي ان الانسحاب الأمريكي لا يعني فقط رحيل جنود من قواعد عسكرية، بل يعني تراجع منظومة كاملة من الاستطلاع والمعلومات الاستخبارية والإنذار المبكر والتدريب المستمر وهي منظومة لا تُعوَّض بشراء عدد من المروحيات، مهما بلغ ثمنها. فالتهديدات التي يواجهها العراق اليوم لم تعد تقتصر على تنظيمات مسلحة تقليدية كداعش، بل امتدت إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، وهي تهديدات عابرة للحدود الداخلية، لا تفرّق بين محافظة اتحادية وإقليم فيدرالي حين تخترق الأجواء.

من هنا فإن أي منظومة دفاعية عراقية تُبنى بعد الانسحاب الأمريكي ولا تشمل كوردستان بالكثافة نفسها، لن تكون منظومة وطنية بالمعنى الحقيقي، بل شبكة أمنية مثقوبة، تترك في أضعف نقاطها فراغاً يعرف كل من عايش سقوط الموصل عام 2014 إلى أين يمكن أن يقود.

الصفقة ليست اختباراً لبغداد وأربيل فحسب، بل اختبار لفهم واشنطن نفسها لطبيعة الشراكة التي تريد بناءها في العراق ما بعد الانسحاب. فإذا أرادت الولايات المتحدة عراقاً مستقراً موحداً، فعليها أن تدرك أن تسليح مركز واحد وترك الأطراف بلا ترتيبات واضحة لا يُنتج استقراراً، بل يُنتج توازن رعب داخلي جديد. الشراكة الأمريكية مع البيشمركة، التي أثبتت جدواها في أحلك الظروف، لا ينبغي أن تُختزل إلى ملف يُدار بالتوازي والصمت، بل أن تتحول إلى بند معلن وواضح ضمن أي صفقة تُعنى ببناء القدرات الدفاعية العراقية.

من يطالب بخروج القوات الأمريكية من كوردستان، يتحمل “أخلاقياً وسياسياً” مسؤولية تعويض القدرة الأمنية التي يترك خروجها فراغاً. وإذا لم تكن بغداد راغبة في منح البيشمركة ما تحتاجه من قدرات، فعليها أن تشرح كيف ستُوفر هي البديل. أما ترك الإقليم بين قوسين:-

“لا الأمريكيون باقون، ولا البيشمركة تحصل على تسليح جديد، ولا بغداد تقدّم بديلاً واضحاً” …. فتلك ليست سياسة أمنية بقدر ما هي تامر امني على كوردستان.

إذا كانت بغداد هي من أصرّت على إخراج الأمريكيين من العراق كله، بما فيه كوردستان، فأين موقع كوردستان في عراق ما بعد الأمريكيين؟

وإن كانت البيشمركة جزءاً أصيلاً من أمن العراق في ساعة القتال، فلتكن جزءاً أصيلاً من بناء قدرته الدفاعية في ساعة السلم. وإن كانت كوردستان مطالَبة بحماية نفسها، فعلى بغداد وواشنطن معاً ألا تحجبا عنها الأدوات التي تُمكّنها من ذلك.

أما أن يُخرَج الأمريكيون من كوردستان، ثم يُحجب عنها بديل الحماية، فتلك ليست سيادة عراقية مكتملة… بل فاتورة قرار لم تشارك أربيل وحدها في توقيعه، ويُراد لها أن تسدده وحدها.

قد يعجبك ايضا