المخبر السري.. آخر اختراعات مكافحة الفساد!

نبيل عبد الأمير الربيعي

يبدو أن العراق، بعد سنوات طويلة من البحث عن حلول للفساد، اكتشف أخيراً (الوصفة السحرية): أعدوا لنا المخبر السري! يا لها من عبقرية إدارية نادرة! بدلاً من أن نبحث عن الأموال المنهوبة، ونراجع العقود المشبوهة، ونراقب المناقصات، ونسأل عن أصحاب المشاريع الوهمية، ونفتش في تضخم ثروات بعض المسؤولين… لماذا لا نطلب من المواطن أن يراقب المواطن؟ هكذا ببساطة تنتهي قصة الفساد!
ثقافة التجسس والوشاية ليست جديدة على العراقيين. عرفناها في مراحل سابقة، وبلغت ذروتها في زمن الدكتاتورية، حين كان التقرير السري قادراً على تحويل الإنسان من مواطن إلى متهم، ومن موظف إلى سجين، ومن عائلة إلى مأساة.
وبعد سقوط الدكتاتورية عام 2003م، كنا نأمل أن نمحو تلك الثقافة من قاموس الدولة والمجتمع، فإذا بها تعود إلينا من نافذة أخرى، وبعنوان أكثر أناقة: (مكافأة المُبلّغ عن الفساد)! لا أحد يعترض على المواطن الذي يكشف سرقة المال العام، فهذا واجب وطني وأخلاقي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البلاغات إلى سوق، والمعلومات إلى سلعة، والإخبار إلى وسيلة للانتقام السياسي وتصفية الحسابات.
في بلد تحولت فيه السياسة إلى صراع على النفوذ والمغانم، يصبح السؤال مشروعاً: هل نريد مواطناً يكشف الفساد، أم نريد مخبراً ينتظر مكافأة؟ وإذا كان الفساد قد بلغ هذا الحجم، فأين هي المؤسسات الرقابية طوال السنوات الماضية؟ ولماذا يحتاج جهاز الدولة إلى آلاف المواطنين كي يكتشف ما يفترض أن تكشفه أجهزة الرقابة والتدقيق والتحقيق؟ والأطرف من ذلك أن نطلب من المواطن أن يبلغ عن الفاسد، بينما قد يكون الفاسد محاطاً بحزب نافذ، وشبكة مصالح، ونفوذ إداري، وربما قوة مسلحة!
يا سلام! المواطن يُبلّغ… والمخبر يكتب… والهيئة تحقق… والفاسد يطمئن! المشكلة ليست في قلة الأخبار عن الفساد، بل في أن الفساد نفسه أصبح أكثر ذكاءً من أجهزة ملاحقته. نحن لا نحتاج إلى (عيون) إضافية تراقب العراقيين؛ لدينا ما يكفي من العيون والهواتف والكاميرات ووسائل التواصل. ما نحتاجه هو دولة تراقب المال العام قبل أن يختفي، ونظام رقابي يعرف أين ذهبت المليارات قبل أن يطلب من المواطن أن يخبره! راقبوا العقود الحكومية. دققوا المناقصات. تابعوا حركة الأموال. اكشفوا تضارب المصالح. راقبوا تضخم الثروات. افتحوا ملفات المشاريع المتلكئة والوهمية. واجعلوا القضاء قادراً على الوصول إلى الكبير قبل الصغير.
أما أن نقول للعراقي: (اذهب وراقب جارك، وأخبرنا عنه وسنكافئك)، فهذه ليست ثورة في مكافحة الفساد؛ إنها إعادة تدوير لعقلية أمنية قديمة بثوب إداري جديد. والأخطر أن تتحول الهيئة الرقابة إلى مكتب لاستقبال الوشايات، بدلاً من أن تكون مؤسسة قادرة على تفكيك شبكات الفساد الكبرى.
يا سادة: الفاسد الحقيقي لا يخاف من المخبر السري؛ الفاسد يخاف من دولة لا يستطيع الاتصال بها أو التأثير فيها أو الاحتماء خلفها. إذا أردتم مكافحة الفساد حقاً، فلا تجعلوا المواطن مخبراً، بل اجعلوا الدولة أذكى من الفاسد وأقوى منه. فالبلد الذي يحتاج إلى آلاف المخبرين كي يكتشف الفساد، يحتاج أولاً إلى أن يسأل نفسه: أين كانت الدولة عندما كان الفساد يسرقها أمام عينيها؟ العراق لا يحتاج إلى مزيد من الوشاة… العراق يحتاج إلى دولة لا تخاف من الفاسدين.

قد يعجبك ايضا