الكورد وغياب الدولة وأحمد خاني

كرميان صلاح الدين

عند خاني، يعيش الكورد بين الجبرية والأشعريّة والنزعة الفكريّة.. إنّ التشتت في البنية الفكرية والفهم الكوردي منذ عصر خاني وحتى يومنا هذا يمثل بوجه عام معادلة ثابتة. وكلّ الأيديولوجيات والنظريّات والتأمّلات السياسية لقرون جبال كردستان الماضية، إلى جانب آليّات السياسة الكوردستانية الحالية، تنقسم عموماً إلى ذات المعادلة التي مرّ بها خاني بنفسه: فـ (الأمة) بقيت محصورة بين الأشعريّة والقدرية (كقدر محتوم)، وبقي تعريفها الجديد للوصول إلى الإرادة المستقلة حبيساً لتلك الدائرة. ولتفهّم رؤية خاني، لابد لنا من إعادة قراءة المعتقدات الدينية والفلسفية لأحمد خاني حول مسألة (الجبر والتفويض / الأشعريّة والقدرية)، إذ تُعدّ انعكاساً عميقاً لرؤيته الصوفية وإرثه الفقهي والكلامي لعصره، ولا سيما في تحفته العظيمة (مم وزين)، لنستجلي منها قراءات وتحليلات وأبعاداً أعمق.
خاني، كعالم ومفكر كوردي عظيم، كانت لديه في هذه المسألة نظرة متوازنة يحترم فيها سلطة الله المطلقة، ويؤمن في الوقت ذاته بمسؤولية الإنسان وحرّيّة إرادته في الاختيار.
1. تأثير المدرسة والإرث الأشعري
تربى أحمد خاني في بيئة علمية ودينية كان فيها الغالب على الميول الكلامية هو المذهب الأشعري. ومن المنظور الأشعري الذي اعتمده خاني أيضاً:
* حكمة الله وسلطته: كل شيء يقع بقضاء الله وقدره وبإرادته (“لا خالق إلا الله”).
* الكسب: على الرغم من أن الله هو خالق كل فعل، إلا أن الإنسان “كاسب” أو صاحب لفعله؛ أي أن الله منحه القوة والنية ويقوم الإنسان باختياره بنفسه ليتحمل المسؤولية عنه.
في (مم وزين)، يتحدث خاني مراراً عن “القضاء” و”القدر”، ويرى أن هذا العشق الطاهر بين مم وزين قد كُتب في الأزل (قبل الخلق) في اللوح المحفوظ وكان بأمر إلهي.
2. الاتجاه الصوفي والقدرية (جبر الحب)
من المنظور الصوفي (الذي استنار به خاني)، يتخذ الحديث عن الجبر والقدر لوناً آخر. والعشق الحقيقي عند الصوفي هو أن يُسلّم الإنسان نفسه أمام إرادة الله.
* في قصة مم وزين، يربط خاني الأحداث بالتدخل الأقداري.
* لكن هذا لا يعني إهمال إرادة الإنسان، بل يدلّ على وجود حكمة إلهية خلف الأحداث الكونية لا يدركها الإنسان في مراحله الأولى.
3. مسؤولية الإنسان وإرادته عند خاني
رغم حديث خاني عن القضاء والقدر، فإنه يعرّف الإنسان في الوقت ذاته ككائن ذي إرادة وعقل يتحمل مسؤولية أفعاله:
* ينتقد خاني في أشعاره أولئك الذين يدعمون “الجبر” خطأً للتبرير للظلم والكسل.
* وفي رؤية خاني السياسية و(القومية) أيضاً (التي تظهر جلية في مقدمة مم وزين)، يدعو الكورد إلى اليقظة وتغيير مصيرهم، وهو أمر محال دون وجود إرادة مستقلة وعمل إنساني؛ وهذا يناقض النظرة القدرية المتشددة والغافلة.
من هنا، كان أحمد خاني نظرياً على خط علماء الأشعريّة ومؤمناً بالقضاء والقدر، لكنه في الممارسة والأدب (كما يظهر في مم وزين والفكر القومي والصوفي) لم ينظر إلى القدر كقوة عمياء، بل رآه حكمة إلهية تتوازن مع إرادة الإنسان ومسؤوليته. وكانت هذه رؤيته.
رؤية أحمد خاني للإرادة البشرية (الأشعرية والقدرية)
في فلسفة أحمد خاني، لاسيما في تحفته (مم وزين)، بُنيت رؤيته للقدر والإرادة على أساس عرفاني وفكري إسلامي، لكن بصورة تنعكس لخدمة الوعي القومي:
* تأثير الخلفية التاريخية: عاش خاني في عصر شاع فيه الصراع الفكري حول مسألة الجبر والتفويض (الأشعري والمعتزلي). وبصورة عامة، تقترب رؤيته من التصوف والأشعرية المعتدلة كالنقشبندية المجددة حالياً، حيث يؤمن بسلطة الله المطلقة مع الاعتراف بمسؤولية الإنسان.
* القدر كاختبار: لا ينظر خاني إلى مشكلات وغياب الدولة الكوردية كقدر أعمى فحسب، بل يراها أمراً إلهياً واختباراً تاريخياً ينبغي على الكورد أن يغيروا أنفسهم ليصبحوا أهلاً لتجاوزه.
* علاقة الإرادة بالتاريخ: في رؤية خاني، ورغم أن كل شيء بقدر الله، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. لذا يُعدّ الخلل في الإرادة القومية السبب الرئيسي للتخلف.
معادلة الأمة الكوردية والدولة عند خاني
خاني هو أول مفكر ربط مسألة الأمة (الكورد) ومسألة الدولة (الاستقلال) بمعادلة واحدة بطريقة سمنهجية. وتتجلى هذه المعادلة في عدة نقاط:
> “لذلك نالتي الأمم باباً ودولة تباعاً، ما خلا الكورد فهم محرومون من هذه العطية.”
>
* أستاذ الفكر القومي: جعل خاني الوعي القومي هدفه المنشود. وكان يربط غياب الدولة الكوردية بانعدام الوحدة، والأمية (والمقصود بها القراءة العميقة للسياسة الدولية على سبيل المثال)، وغياب ملك ذي تاج وسرير كوردي.
* الانقسام الجغرافي والسياسي: ظل الكورد بين إمبراطوريتي عصره العثمانية والصفوية كضحايا بلا حماية، لعدم امتلاكهم كياناً مستقلاً يحميهم.
* المعادلة: يؤكد خاني في هذه المعادلة أن الكورد يمتلكون كافة الأسس التاريخية واللغوية، غير أن مشكلتهم تكمن حصراً في غياب “التنظيم والتضامن السياسي”.
لذا يجب أن نتحدث أكثر عن عبارات خاني الخاصة في مملكة مم وزين بشأن اللغة والأمة!
أقوال ومواقف أحمد خاني الهامة في (مم وزين) حول اللغة والأمة والدولة
في ديباجة تحفته (مم وزين)، يعبر أحمد خاني بأوضح صورة عن وعيه القومي، رابطاً السبب الأساسي للاضطهاد وغياب الدولة الكوردية بنقاط رئيسية:
1. الاهتمام باللغة كالهوية قومية
كان خاني أول من افتخر باللغة الكوردية (الكرمانجية العليا) ودافع عن استحقاقها في مواجهة اللغات العربية والفارسية والتركية. ويقول:
🔹 كيف أخاف من أن يقال: الكورد بلا أصل، بلا أساس، وبلا بداية؟
🔹 لهذا نظمت شعري بالكوردية، لكي لا يغيب اسم الكورد تحت جسر النسيان.
🔹 إذ لم يُحرم الكورد بفضل القلم واللسان، إلا بسبب مظهر وتخت السلطان!
يبرز خاني هنا حقيقة ذهبية: الكورد ليسوا أقل شأناً من حيث اللغة والأدب، بل مشكلتهم الكبرى تكمن في غياب التخت والتاج المستقل.
2. العتب على التشتت وغياب الوحدة
ينتقد خاني بشدة الأطراف الاجتماعية والسياسية الكوردية في عصره التي أدت، بسبب غياب قيادة موحدة وخلافات داخلية، إلى تشتت الأمة وتقسيمها بين الإمبراطوريات المجاورة:
🔸 لو كانت قطرة من ذلك البحر حاضرة،
🔸 لكان وجه الكورد أيضاً مشرقاً.
🔸 لو مدح سلطان الكورد،
🔸 لرفع شأن تخت الكورد وكرامته.
وكان يرى أنه لو امتلك الكورد ملكاً صاحب سلطة، لاحترمتهم الأمم الأخرى ولما تفرقوا واستُعبدوا.
مؤلفات أحمد خاني الأخرى إلى جانب (مم وزين)
نعم، لا يقتصر إرث أحمد خاني على (مم وزين)، بل له مؤلفات هامة أخرى في مجالات التربية والدين واللغة تعكس فكره وشخصيته العظيمة:
* نوبەهارا بچووکان (ربيع الصغار – 1683):
* المحتوى: معجم شعري عربي-كوردي (باللغة الكرمانجية). أراد خاني من خلاله توجيه الصغار والطلاب الكورد لتعلم اللغة والمفردات الكوردية في مراحل الدراسة الأولى، وإدارة العملية التعليمية بلغتهم الأم. وهذا دليل على حرصه لحماية اللغة عبر التعليم.
* عقيدة الإيمان (Eqîdeya Îmanê):
* المحتوى: رسالة دينية وفقهية بالشعر والنثر. غايتها توضيح أصول الإيمان وأركان الإسلام باللغة الكوردية للناس، ليكون الفهم الديني في المجتمع مبنياً على أسس واضحة ومدروسة.
* ديوان أحمد خاني (Dîwana Helbestan):
* المحتوى: يضم مجموعة من الأشعار والغازل والقصائد العرفانية والفلسفية والوطنية التي تبرز جوانب فكر خاني حول الحياة والعشق والكون.
وبهذا النحو، لم يكن أحمد خاني شاعراً عاشقاً فحسب، بل وضع عبر المعاجم والكتب الدينية والملاحم الوطنية الأسس للوعي القومي واللغوي والفكري الكوردي. ومنذ ذلك العصر، انقسم الفكر الكوردي بعد أن أدرك بأن الكورد لا يملكون دولة بسبب الوقوع بين الأشعريّة والقدرية.. ولم يُكمل الكورد أسس التكامل القومي للوصول إلى مفهوم الاستقلال وبناء المؤسسات لإقامة الدولة.. وأياً كان الاتجاه الفكري الذي يحملونه، سواء أكان يسارياً أم يميناً أم عقائدياً وغيره، فهم عاجزون عن الإفلات من حقيقة هذين الأساسين لخاني.. فهذه ليست معادلة أزلية للكورد كأمة، بل يتوجب على الجميع الاقتداء بالرؤية المستقبلية البعيدة لمرجعية كردستان في إقليم كردستان تحت راية الوطن، للخروج من التشتت والانقسام وتحقيق الوحدة المنشودة لندخل في طاعة وتهليل روح خاني وأسلافنا القوميين الشرفاء.
28-8-2026
پیرمام (بيرمام)

قد يعجبك ايضا