آراس اليوسف
وصلت” روجافا كردستان” إلى لحظة تاريخية تحتاج فيها القيادة الكردية في سوريا، إلى مراجعة جذرية للخيارات التي قادتها إلى هذه النقطة، إذ تتراكم أمام الكرد مؤشرات سياسية تجعل العلاقة بين مشروع عبد الله أوجلان ومستقبل” روجافا” موضع سؤال مباشر، فالمشهد يوحي بأن أوجلان يمضي نحو تسوية مع الدولة التركية من دون ضمانات واضحة تخص مستقبل الكرد، فيما تظهر روجافا خارج الأولويات الأساسية لهذه التسوية، وكأن وجود إقليم كردي سوري يمتلك وزناً سياسياً ومكانة إقليمية وهوية واضحة يمثل ملفاً قابلاً للتنازل ضمن ترتيبات أكبر تتعلق بتركيا وحزب العمال الكردستاني.
هذه الصورة تضع مظلوم عبدي أمام مسؤولية مباشرة، لأن” روجافا” عاشت خلال السنوات الماضية حرباً ضروساً دفعت خلالها أكثر من عشرين ألف شهيد وفق الأرقام المتداولة داخل الحركة الكردية، وقدمت تضحيات بشرية هائلة في مواجهة داعش وفي الدفاع عن مناطقها، ثم وجدت نفسها أمام حصيلة سياسية شديدة القسوة، إذ يقتصر ما حصل عليه الكرد في سوريا حتى الآن على خطوات محدودة في مجال اللغة والتعليم والاعتراف بالهوية، بينما انتهت القوة العسكرية التي شكلت أهم أدوات الحماية الكردية إلى مرحلة جديدة فرضت على القيادة إعادة حساباتها.
أربع ساعات للغة الكردية داخل المنهاج المدرسي- وبشكل اختياري فقط- بعد كل هذه التضحيات تطرح سؤالاً يصعب الهروب منه: هل هذه هي النتيجة التي تستحقها دماء عشرات الآلاف من الشهداء؟
المشكلة هنا تتجاوز عدد الساعات الدراسية، لأنها تتعلق بالفارق الهائل بين حجم التضحيات وحجم المكاسب السياسية التي وصلت إليها القضية الكردية في سوريا، فالكرد دفعوا ثمناً بشرياً كبيراً، وخاضوا معارك طويلة، وامتلكوا خلال فترة معينة قوة عسكرية حظيت بدعم الولايات المتحدة ودول أوروبية، وكان أمامهم مجال تاريخي لبناء وضع سياسي كردي سوري أكثر قوة واستقراراً، ثم جاءت السنوات الأخيرة لتقلص هذه الأوراق بصورة كبيرة.
وهنا يجب أن يطرح مظلوم عبدي السؤال على نفسه قبل أي جهة أخرى: ماذا بقي ل”روجافا” من قوتها السياسية بعد هذا كله؟
الشرق الأوسط يعيش لحظة تغير واسعة، وسوريا تعيد بناء مؤسساتها، وتركيا تعيد ترتيب علاقتها بالملف الكردي، والولايات المتحدة تعيد تحديد أولوياتها، وأوروبا تبحث عن مصالحها في المنطقة، والقوى الإقليمية تتحرك بسرعة لإعادة رسم مواقعها، وفي مثل هذه اللحظة التاريخية يحتاج الكرد إلى قيادة تمتلك القدرة على قراءة اللحظة واستثمارها، لأن الفرص السياسية الكبرى تمر أحياناً مرة واحدة ثم تغلق أبوابها لسنوات طويلة.
السيد مظلوم عبدي يمتلك فرصة نادرة، إذ يستطيع أن يعلن أن- روجافا- تمتلك خصوصيتها في سوريا، وأن قرارها السياسي يصدر من أهلها، وأن مستقبل الكرد السوريين يحتاج إلى تمثيل مستقل عن الصراع التركي مع حزب العمال الكردستاني، وأن العلاقة التاريخية مع أوجلان لا تمنح أي جهة حق اتخاذ القرار نيابة عن المجتمع الكردي السوري.
هذا الفصل السياسي أصبح ضرورة، لأن استمرار ربط روجافا بالـPKK يمنح تركيا ورقة جاهزة في كل تفاوض، ويجعل قضية الكرد السوريين مرتبطة تلقائياً بالصراع التركي مع أوجلان، فيما تحتاج روجافا إلى تقديم قضيتها باعتبارها قضية شعب سوري له أرض وحقوق وهوية ومطالب سياسية وثقافية واضحة.
مظلوم عبدي كان يستطيع خلال السنوات الماضية أن يذهب أبعد في هذا الاتجاه، خصوصاً عندما كانت الولايات المتحدة وأوروبا تنظران إلى- قسد- باعتبارها شريكاً أساسياً في الحرب على داعش، وكان الفصل السياسي الواضح عن الـPKK سيمنح روجافا مساحة أوسع للحركة الدولية، إلا أن هذا الخيار بقي محدوداً، ومع مرور الوقت خسرت قسد جزءاً كبيراً من قدرتها على المناورة، حتى وصلت إلى الوضع الحالي.
لهذا فإن استمرار مظلوم عبدي في الخط ذاته يحمل كلفة تاريخية كبيرة، لأن الرجل يعرف حجم التضحيات ويعرف حجم الفرصة التي كانت أمام روجافا، ويعرف كذلك أن الكرد السوريين يحتاجون إلى قيادة تمثلهم هم، وتفاوض باسمهم، وتتحمل مسؤولية قراراتها أمامهم.
مظلوم عبدي لا يستطيع أن يكون مندوب أوجلان في سوريا، إذ عليه أن يكون روجافاوياً سياسياً حين يتعلق الأمر بمستقبل روجافا، وأن يضع مصالح أهلها فوق أي ارتباط تنظيمي أو سياسي، وأن يفتح الباب أمام الأحزاب والشخصيات الكردية السورية كافة، وأن يعمل على صياغة تمثيل سياسي يستمد شرعيته من المجتمع نفسه، لأن التفاوض على مستقبل شعب كامل يحتاج إلى تفويض شعبي وسياسي واضح.
السيد أوجلان يختار اليوم طريقه مع الدولة التركية، وهذه قضية تخصه وتخص الحركة التي قادها لعقود، أما مستقبل” روجافا” فيحتاج إلى قرار يصدر من روجافا نفسها، لا من خارجها، أياً كان صاحب القرار، أو جهة القرار، لأن الشعب الذي يعيش فيها هو الذي سيدفع ثمن أي اتفاق وسيحمل نتائجه لعقود.
الاستمرار في ربط المصيرين قد يحول تضحيات عشرات آلاف الشهداء إلى حصيلة سياسية هزيلة، وقد يجعل الساعات الأربعة للغة الكردية داخل المدرسة رمزاً لمرحلة كاملة دفعت فيها الأجيال أثماناً ضخمة، بينما كانت أمام القيادة فرصة لبناء وضع كردي سوري أكثر قوة ووضوحاً. هذه هي اللحظة التي يحتاج فيها مظلوم عبدي إلى الاختيار، فإما أن يحمل خصوصية روجافا ويدافع عن قرارها ويفتح المجال أمام أهلها وقواها السياسية، وإما أن يفسح المجال أمام قيادة أخرى تستطيع القيام بهذه المهمة، فالشرق الأوسط يتغير بسرعة، والفرصة التاريخية موجودة الآن، ومن يملك القدرة على اتخاذ القرار المستقل يستطيع أن يصنع مكاناً للكرد في سوريا الجديدة، أما من يربط مستقبل روجافا بحسابات الآخرين فسوف يجد نفسه أمام تاريخ يسأل عن فرصة ضاعت، وعن تضحيات هائلة انتهت إلى مكاسب محدودة، وعن شعب امتلك لحظة قوة ثم فقدها.
دماء الشهداء تحتاج إلى نتيجة تليق بها، وروجافا تحتاج إلى قيادة تعرف قيمة اللحظة، والكرد السوريون يحتاجون إلى قرار يصنعونه بأنفسهم.