من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا تزوير تاريخ قرى آل عباس في منطقة قامشلو

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

2/3

رد على أكاذيب ملفقة في فيديو مبتذل: تزوير التاريخ وإثارة الفتنة.
لا بد من سؤال يفرض نفسه، من العدو ومن الصديق؟ وكيف يُستخدم الدين اليوم لتفريق أبناء أرض واحدة عاشوا قرونًا متجاورين وتقاسموا المآسي والمصير؟ والأشد خطورة أن يُستغل ما تبقى من أهلنا المسيحيين، ولا سيما السريان والنساطرة، لإشعال خصومة جديدة مع الكورد والطعن في تاريخهم.
واللافت في هذا الخطاب أنه لا يبدو وليد انفعال شخصي وحده؛ فمفرداته واتجاهه يوحيان بأن ذهن صاحبه قد شُحن بأفكار مسمومة تدفعه إلى تحميل السياسيين وزعماء العشائر الكورد مسؤولية المآسي التي أصابت المسيحيين، مع تغييب القوى والأنظمة التي ارتكبت المجازر والاضطهاد تاريخيًا. ولا أستبعد أن تكون جهات متربصة تستثمر في مثل هذه الأصوات لتوسيع دائرة الحقد ضد الكورد، بعدما جُرّبت الأساليب نفسها في تأليب العرب والكورد بعضهم على بعض.
في الجزء الأول تناولت الخلل الأساسي في خطاب صاحب الفيديو، ولا سيما خلطه بين الدين والقومية، وبين قِدم الوجود المسيحي في المنطقة وملكية قرى بعينها. ولن أعيد هنا ما سبق تفصيله، بل أنتقل إلى الوقائع والوثائق المتعلقة بآل عباس والقرى التي يكرر أسماءها، وإلى السؤال الأهم، متى نشأت هذه القرى؟ ولمن كانت أراضيها؟ ومتى استقرت فيها العائلات التي يتحدث عنها؟
فالوجود المسيحي في سوريا وشمال ميزوبوتاميا قديم، وكانت الرها ونصيبين وغيرهما من المراكز المهمة للمسيحية الشرقية، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. لكن قِدم دين في جغرافية واسعة لا يجعل كل قرية سكنها أتباعه لاحقًا ملكًا قوميًّا لهم. كما أن المسيحية لم تكن يومًا قومية واحدة؛ فقد كان بين المسيحيين سريان وآراميون وأرمن ويونانيون وكورد وغيرهم، مثلما كان بين الكورد مسلمون ومسيحيون وإيزيديون ويهود وزرادشتيون وأتباع ديانات أخرى.
ومن هنا تحديدًا ينكشف الخلل في خطاب الرجل؛ فهو لا يبحث في تاريخ المسيحيين بقدر ما ينتقي منه ما يمكن توظيفه للطعن في الكورد، وإعادة إحياء ثقافة زرع الشقاق التي مارسها الفرنسيون ثم البعث، بخلق شرخ وعداء بين الكورد والمسيحيين. والمفارقة أنه يتجاهل أن القومية قد تكون واحدة فيما يختلف الدين، وأن الاختلاف الديني لا يصنع بالضرورة اختلافًا قوميًّا أو عداوة تاريخية.
أما قامشلو الحديثة نفسها، فقد نشأت وتوسعت في ظل الانتداب الفرنسي منذ عشرينيات القرن الماضي، ولا سيما منذ عام 1926، واستقبلت موجات من اللاجئين والمهاجرين من الأرمن والسريان والكورد واليهود وغيرهم، وكان كثير منهم قد جاء من شمال الحدود التي رُسمت بعد الحرب العالمية الأولى. أي إن تركيبتها الحديثة كانت، في جانب مهم منها، نتيجة للمجازر والهجرات ورسم الحدود والسياسات الفرنسية، لا امتدادًا لخريطة قومية أزلية كما يريد صاحب الفيديو أن يوحي.
مجازر 1915: الاعتراف بالمأساة لا يعني تزوير التاريخ.
لا نحتاج، في دفاعنا عن تاريخنا، إلى إنكار مأساة الآخرين. فما تعرض له الأرمن وجماعات مسيحية أخرى عام 1915 من قتل وترحيل ومجازر في عهد حكومة الاتحاد والترقي حقيقة تاريخية لا يجوز التقليل منها، كما أن الجبهة الروسية–العثمانية شهدت صراعات وانتقامات وجرائم طالت جماعات مسلمة ومسيحية.
لكن الاعتراف بهذه المأساة شيء، واستخدامها بعد أكثر من قرن لتغيير ملكية الأرض وتاريخ القرى شيء آخر تمامًا.
وفي قلب تلك المأساة تظهر حقيقة يتعمد صاحب الفيديو القفز فوقها، عائلات كوردية كثيرة لم تكن قاتلة للمسيحيين، بل كانت ملجأ لهم وأنقذت أعدادًا منهم.
وفي تاريخ آل عباس تحديدًا توجد شهادات ووثائق لا علاقة لها بالصراخ أمام الكاميرات.
من بينها ما يتصل بمحمد عباس، الأخ الأكبر لسليمان عباس، الذي احتضن عائلات مسيحية وأنقذها خلال تلك المرحلة، ثم واصل سليمان عباس، بعد وفاة أخيه وتوليه رئاسة العشيرة، حمايتهم ورعايتهم. وتوجد، بحسب وثيقة محفوظة في أرشيف البطريركية الكاثوليكية، شهادة تقدير خطية مُنحت للأخوين محمد وسليمان عباس بعد أكثر من نصف قرن على المجازر، ودُعي كبار آل عباس لتسلّمها، تقديرًا لدورهما في حماية مئات المسيحيين من طوائف مختلفة وإيوائهم في قراهما.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: يأتي شخص بعد أكثر من قرن ليحوّل من استقبلوا الفارين من المجازر وحموهم وأسكنوهم إلى متهمين بالاستيلاء على أراضي من احتموا بهم!
وقبل الاستشهاد بالمصدر، ينبغي التذكير بأن صاحب الفيديو، حين يعدد البيوت والعائلات المسيحية، يتجاهل أن قسمًا كبيرًا منها وصل إلى المنطقة في موجات نزوح أعقبت مجازر عام 1915 وما تلاها، قادمًا من الأناضول وماردين والمناطق المجاورة. والأغرب أنه، في اندفاعه ضد الكورد، يكاد ينسى من اضطهد أهلنا المسيحيين، نسطوريين وكاثوليك وغيرهم، ومن ارتكب المجازر التي أودت بنحو مليون ونصف أرمني، فضلًا عن عشرات الآلاف من السريان والآشوريين وغيرهم؛ أي القوى نفسها التي كان الكورد أيضًا من ضحايا سياساتها.
وسأستشهد هنا بالمصدر نفسه الذي اعتمد عليه صاحب الفيديو، كتاب «تاريخ أبرشية نصيبين والحسكة»، لأبين مقدار التناقض بين ما ينقله المصدر وما يحاول هو استنتاجه منه. ففي الصفحة 172 يرد:
(جميع السريان الكاثوليك هم من أصل تركي، قدموا إليها بعد الحرب العالمية (1914–1918). ترك هؤلاء المسيحيون وطنهم وممتلكاتهم وحتى بيوتهم، والتجأوا إلى سوريا التي كانت قد أصبحت تحت الانتداب الفرنسي. فالمجازر التي احتملوها في تركيا، والمعاملات السيئة التي كانوا ضحيتها في ماردين والمناطق المجاورة، هي التي دفعتهم إلى هذه الهجرة. أتوا أولًا بعدد صغير إلى الحسكة سنة 1924، ثم كثروا في تلك المنطقة..).
فالمصدر الذي يستند إليه يقرر بنفسه أن موجات من هؤلاء المسيحيين وصلت إلى المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى هربًا من المجازر والاضطهاد، وهو ما يهدم محاولته تحويل الهجرة واللجوء اللاحقين إلى دليل على ملكية أزلية للقرى والأراضي.
فإما أنه لم يفهم المصدر الذي يستشهد به، أو أنه ينتقي منه ما يوافق غرضه المسبق. والأخطر أن يُستخدم أهلنا المسيحيون، ولا سيما السريان، وقودًا لخصومة مصطنعة مع الكورد، بدل قراءة مأساتهم كما ترويها المصادر نفسها.
وبإمكانه، بدل هذا الاستعراض، أن يعود إلى كتاب Massacres, Resistance, Protectors للباحث David Gaunt، وإلى الدراسات المتعلقة بمذابح السريان في طور عابدين عام 1915، ثم يقارن ذلك بما تقوله الوثائق المحلية والعائلية.
القرى التي يتلاعب بتاريخها
نصل هنا إلى محركا وكرشيران وروتا وخويتله وغردوكة وغيرها. وأعيد بعض الوقائع الواردة سابقًا لأهميتها المباشرة في الرد:
ارتبط نشوء التجمعات الحديثة في محركا وكر شيران وروتا وخويتله بمرحلة 1915–1916، بينما كانت المطحنة الموجودة في روتا قد أنشأها محمد عباس في حدود عام 1910. أما غردوكة فقد بناها شيخموس عباس ومعه ابن أخيه محمد عباس نحو عامي 1937–1938، ثم تركاها في أواخر عام 1938، لتسكن فيها لاحقًا عائلتان مسيحيتان ممن كانوا قد أقاموا في دوكر منذ فترة فرمان 1915.
ومن الشواهد التي ينبغي التوقف عندها أيضًا أن عددًا من هذه القرى لا توجد فيها مقابر تعود إلى ما قبل عام 1915، وهو شاهد ميداني لا يحسم القضية بمفرده، لكنه يكتسب أهميته إلى جانب الوثائق وتاريخ نشوء التجمعات وذاكرة سكان المنطقة.
أما الاستشهاد بقرية حلوة ضمن رواية «القرى المسيحية المسلوبة» فيكشف مقدار الاضطراب في معلومات صاحب الفيديو؛ فالقرية، وفق تاريخها المعروف لدى أهل المنطقة، لم تعرف استقرار عائلة مسيحية فيها. فكيف تحولت هي الأخرى إلى شاهد على روايته؟
إن وجود عائلة مسيحية في قرية، أو استقرارها فيها بعد تاريخ معين، لا يجعل تاريخ القرية السابق وملكيتها ملكية دينية أبدية. السؤال ليس: هل عاش مسيحيون في هذه المنطقة؟ بالطبع عاشوا فيها، وبعضهم من أهلها منذ زمن بعيد. السؤال هو: متى نشأت القرية المحددة، ومن كان يملك أرضها، ومتى جاءت إليها العائلات التي يدور الحديث عنها؟
وهذه أسئلة تجيب عنها القوجانات والوثائق والتواريخ، لا تعداد أسماء العائلات أمام كاميرا.
دوكر أقدم من الرواية المصنوعة
بحسب وثائق العائلة والقوجانات القديمة، أي سندات التمليك العثمانية، فإن ملكية أراضي آل عباس تسبق أحداث 1915 بعقود طويلة، ويعود بعض هذه القوجانات، بحسب تحويل تواريخها إلى الميلادي، إلى نحو عام 1830.
ويأتي صاحب الفيديو ليعلن ببساطة أن هذه الوثائق «مزورة».
فإذا كانت قوجانات آل عباس مزورة، فهل قوجانات آل مرعي وغيرها من زعامات العشائر الكوردية في المنطقة مزورة أيضًا؟ وهل أصبح كل ما يناقض روايته تزويرًا بمجرد أن يقول ذلك؟
وللعلم، فإن تاريخ دوكر أقدم بكثير من أحداث الفرمان والقرى التي نشأت أو توسعت بعدها. وتعود الرواية المحلية بتاريخها إلى نحو منتصف القرن السابع عشر، كما يظهر اسمها في المادة الجغرافية المرتبطة برحلات المستشرق كارستن نيبور في القرن الثامن عشر، وقد صدر الجزء الأول من كتابه رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلدان أخرى سنة 1766، فيما تعود رحلته في هذه المنطقة إلى بداية ستينيات ذلك القرن. وظل اسم دوكر مثبتًا في مصادر وخرائط لاحقة بصيغ متعددة، منها Dūkur وDawkār وDoûgueur وDukir وDuger.
وكانت دوكر نفسها مجتمعًا متنوعًا؛ فقد عاشت فيها عائلات كوردية مسيحية ويهودية، إلى جانب المسلمين والإيزيديين، قبل فرمان 1915 بسنوات طويلة. وهذا وحده يكشف سخافة وضع «المسيحي» في جهة و«الكوردي» في جهة أخرى وكأنهما قوميتان متعارضتان.
والأراضي التي أقيمت عليها التجمعات موضوع الجدل كانت مرتبطة بأراضي دوكر قبل وصول العائلات المسيحية الفارة من المجازر، وهي العائلات التي استقبلها محمد عباس ثم واصل سليمان عباس حمايتها.
محركا والشهيد عباس محمد عباس
وفي محركا، التي أصبحت بعد سنوات من بنائها في مرحلة 1915–1916 قرية مختلطة يسكنها المسيحيون والمسلمون، واستمرت كذلك حتى مجيء الفرنسيين، لا تزال آثار بيوت الشهيد عباس محمد عباس وأخيه شيخموس ماثلة حتى اليوم.
وقصة الشهيد عباس محمد عباس وحدها جديرة بأن تدفع صاحب الفيديو إلى شيء من التواضع قبل توزيع الاتهامات.
فقد كان ديوانه في محركا مكانًا لاجتماع رؤساء وشخصيات من بعض العشائر في إطار مقاومة الفرنسيين. وتعرض للملاحقة بعدما نُقلت أخبار تلك الاجتماعات إلى السلطات الفرنسية، وكان بين من نقلها، بحسب الرواية التي تحتفظ بها العائلة، شخص من العائلات المسيحية التي كان والده قد أسكنها أصلًا في محركا لتكون قريبة منه وتحت حمايته.
ثم اعتُقل عباس، وقُتل بقرار من محكمة عسكرية ميدانية عشية معركة بياندور على يد ضباط الحامية الفرنسية المتمركزة هناك.
والفرق بيننا وبين صاحب الفيديو أننا لا نحول فعل فرد إلى إدانة طائفة كاملة.
هذه ليست قصة «الكورد ضد المسيحيين»؛ إنها قصة أفراد: من أنقذ، ومن وفى، ومن خان، ومن تعاون مع سلطة الانتداب. ومن الانحطاط الفكري أن نحمل المسيحيين جميعًا مسؤولية فعل شخص، تمامًا كما هو انحطاط أن يحمل صاحب الفيديو الكورد وزعماءهم وعشائرهم مسؤولية أحداث ينتقيها ويعيد تركيبها وفق ضغينته.
أما غردوكة، التي بناها محمد عباس، حفيد أخ سليمان عباس، مع عمه شيخموس عباس ما بين عامي 1937-1938 م، ثم تركاها بسبب بعدها وصعوبة الحياة فيها، وسُمح لاحقًا لعائلات مسيحية بالإقامة في البيوت التي بنياها، وظل بعضها قائمًا وبعضها شبه متهدم.
هذه الوقائع يمكن قبولها أو رفضها، ولكن بالوثيقة والاسم والتاريخ، لا بالصراخ والشتيمة.
الفرنسيون ثم البعث: صناعة الشروخ
تداخلت سياسات الانتداب الفرنسي مع العلاقات المحلية بطريقة تركت آثارًا طويلة المدى. فقد استُثمرت الفوارق الدينية والعشائرية والإثنية في بناء شبكات الولاء والحماية والنفوذ، وأُعيد ترتيب العلاقات بما يخدم سلطة الانتداب.
وبحسب رواية العائلة، فإن بعض الأفراد الذين تعاونوا مع الفرنسيين أو عملوا مخبرين ضد آل عباس وساهمت تقاريرهم في ملاحقة عباس محمد عباس وعمه سليمان عباس (الأول تم إعدامه والثاني اخلي سبيله بفدية كبيرة ورهبة من ثأر عشيرته والعشائر الأخرى) ظهر من بيئاتهم لاحقًا من انخرط في حزب البعث وخاصم العائلة بذهنية مشابهة.
لكننا مرة أخرى لا نعمم.
فالأكثرية المطلقة من أهلنا المسيحيين الذين عاشوا في تلك القرى لا علاقة لهم بفعل فرد أو بعائلة تعاون أحد أفرادها مع الفرنسيين. وقد عشنا معهم طويلًا، وتربطنا بهم ذكريات الجيرة والصداقة والخبز والأرض.
والمفارقة أن الخطاب الذي يقدمه صاحب الفيديو يعيد، من حيث يدري أو لا يدري، إنتاج الثقافة نفسها: صناعة حاجز نفسي بين المسيحي والكوردي، وكأن الدين يلغي الجغرافيا والقومية والجيرة والتاريخ المشترك.
سؤال بسيط يهدم الرواية
إذا كان آل عباس كما يصورهم صاحب الفيديو، فلماذا لجأت العائلات المسيحية الفارة تحديدًا إلى أراضيهم وقراهم؟
ولماذا استقرت حول دوكر؟
ولماذا استمرت علاقات الجيرة والصداقة والروابط الاجتماعية بين تلك العائلات وآل عباس أجيالًا طويلة؟
ولماذا تركزت أصلًا جماعات مسيحية عديدة داخل مدن كوردية مختلفة؟
وأقول «كوردية» لأنها تقع ضمن جغرافية كوردستان، لا لأن سكانها جميعًا كانوا مسلمين أو يتحدثون لغة واحدة.
فالمشكلة المنطقية في كلام الرجل أنه يبدأ من «المسيحيين» وكأنهم قومية واحدة، ثم يضعهم في مواجهة (الكورد).
فأي قومية مسيحية يقصد؟
الآراميين؟ السريان؟ الآشوريين؟ الأرمن؟ العرب المسيحيين؟ الكورد المسيحيين؟
أم أنه يتحدث عن المسيحية بوصفها دينًا؟
فإن كان دفاعه عن دين، فلماذا يهاجم القادة والسياسيين وزعماء العشائر الكورد بوصفهم قومية؟
هنا تحديدًا ينكشف الغرض؛ فهو لا يبحث في تاريخ المسيحيين بقدر ما ينتقي منه ما يمكن أن يستخدمه للطعن في الكورد. وتحويل الدين إلى قومية، ثم تحويل تلك القومية المفترضة إلى سند ملكية، ثم استخدام سند الملكية المزعوم لإدانة الكورد، لا ينتج تاريخًا مهما ارتفع صوت صاحبه.
(لسنا ضد الكورد، بل ضد قياداتهم).
وأنا شخصيًا أتذكر منذ طفولتي العلاقات الحميمية التي جمعتنا بعائلات مسيحية في كرشيران ومحركا وروتا وغيرها. كانت هناك جيرة وصداقة وصلات اجتماعية طبيعية، وكانت الخصومات، عندما تقع، بين أفراد أو بسبب مواقف ما، كما يحدث في أي مجتمع، ولم تكن يومًا حربًا بين «الكورد» و«المسيحيين».
ولهذا يبدو بشعًا أن يخرج شخص ليقدم الشيخ والعشيرة والسياسي الكوردي بوصفهم خصومًا تاريخيين للمسيحي، ثم يغلف كل ذلك بالعبارة المعروفة: «أنا لست ضد الكورد، وإنما ضد قياداتهم».
لقد أصبحت هذه الأسطوانة مألوفة:
لسنا ضد الكورد، لكننا ضد قياداتهم، وضد إدارتهم، وضد قواهم السياسية والعسكرية، وضد قيادة جنوب كوردستان، وضد كل من يمثل قضية كوردية أو يدافع عنها!
ثم، بعد معاداة كل ما يعبر عن هذا الشعب، يقال لنا: لسنا ضد الشعب.
هذا الفصل اللفظي لم يعد مقنعًا.
وهو في حالتنا أخطر، لأنه يحاول صناعة شرخ بين الكورد وأهلنا المسيحيين الذين عاشوا معهم أجيالًا متداخلة. إنها لغة تعيد إنتاج ذهنية غذتها سياسات الانتداب الفرنسي باستثمار الانقسامات الدينية والإثنية، ثم عمقها البعث بصيغ أخرى، حين حاول إدراج الجماعات المسيحية المختلفة داخل هوية عربية جامعة، متجاهلًا خصوصيات الآراميين والسريان وغيرهم، بالتوازي مع تعميق التناقض العربي–الكوردي.
ومن يريد الدفاع عن المسيحيين حقًا لا يبدأ بتحريضهم على جيرانهم وإخوتهم الكورد، ولا يحول تاريخهم المشترك إلى خندق جديد للصراع.
فمن الذي قلّص الوجود المسيحي في الشرق؟
يتحدث الرجل عن تقلص الوجود المسيحي في الجزيرة وكأن الكورد هم الذين أزالوا المسيحيين من الشرق الأوسط.
ولو اتسع أفقه قليلًا لسأل سؤالًا أكبر من محركا ودوكر وروتا وخزنه وحلوة:
أين ذهبت الكثافة المسيحية التي كانت يومًا تمتد عبر سوريا وبلاد الرافدين والأناضول؟
كيف تحولت مجتمعات كانت ذات حضور ديموغرافي وثقافي واسع إلى أقليات صغيرة بعد قرون من التحولات السياسية والدينية، ثم المذابح والحروب والهجرات؟
وهل سليمان عباس هو المسؤول عن تراجع أعداد المسيحيين في دمشق وحلب وحمص وحماة والساحل وبلاد الرافدين والأناضول والقسطنطينية؟
أم أن على الرجل أن يقرأ تاريخ المنطقة كله قبل أن يبحث عن شيخ كوردي يعلق عليه نتائج خمسة عشر قرنًا من التحولات؟
فإذا أراد البحث عمّن استولى على دور العبادة المسيحية، فليبحث عمّن حوّل كنيسة يوحنا المعمدان في دمشق إلى الجامع الأموي في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، وعمّن حوّل كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية إلى مسجد بعد دخول العثمانيين المدينة عام 1453، ثم أعادها أردوغان من متحف إلى مسجد في العصر الحديث، بدل أن يختلق خصومة بين المسيحيين والكورد ويحمّلهم تاريخًا لم يصنعوه.
فمثل هذا النمط من تحويل الكنائس إلى مساجد لم يشكل سمة في العلاقة التاريخية بين الكورد والمسيحيين في كوردستان.
التاريخ لا يحسمه الصراخ
إذا كان لدى صاحب الفيديو وثائق أقدم من قوجانات آل عباس، فليقدمها.
إذا كانت لديه وثيقة تثبت أن خزنة أو حلوة كانت قرية مسيحية مسلوبة، فليعرضها.
وإذا كانت لديه حادثة قتل أو استيلاء ينسبها إلى عائلة أو زعيم كوردي، فليقدم اسم الحادثة، ومكانها، وتاريخها، وأسماء ضحاياها، والمسؤولين عنها، ومصدرًا معاصرًا يوثقها.
عندها يمكن النقاش.
أما أن يقفز من قرن إلى قرن، ومن دين إلى قومية، ومن عائلة إلى شعب، ثم يجمع ذلك كله في رواية واحدة لأن النتيجة كانت جاهزة في رأسه قبل أن يبدأ الحديث، فليس بحثًا في التاريخ.
إننا نحترم مأساة أهلنا المسيحيين وضحاياهم وذاكرتهم وحقهم في الوجود، ونعرف أن المسيحية جزء أصيل من تاريخ هذه الجغرافيا، مثلما كانت فيها اليهودية والزرادشتية والإيزيدية والمانوية وغيرها. وكان من أهلها كورد مسيحيون كما كان فيها كورد مسلمون وإيزيديون ويهود.
لكن احترام مأساة الآخر لا يمنحه الحق في اختراع مأساة جديدة على حساب الكورد، ولا في تحويل من استقبلوا اللاجئين وأنقذوهم وآووهم وأسكنوهم في أراضيهم وحموهم إلى متهمين بعد مرور قرن.
ولا يستطيع فيديو مبتذل أن يمحو وثيقة، ولا نبرة حاقدة أن تبدل تسلسل الأحداث، ولا يصبح الادعاء حقيقة لمجرد تكراره بثقة أمام الكاميرا.
الجحود لا يصنع تاريخًا، والكراهية لا تتحول إلى وثيقة، والجهل لا يصبح معرفة لمجرد أن صاحبه يرفع صوته.
فالتاريخ ما زال في الأرشيفات والقوجانات والشهادات وأسماء القرى وذاكرة أهلها.
وحين توضع الوثيقة أمام الادعاء، يسقط الادعاء؛ وحين يُفتح الأرشيف، تسقط معه كثير من البطولات المصنوعة أمام الكاميرا.

يتبع…

قد يعجبك ايضا