من الأعلام المنسيين.. الشيخ عبد الامير الحسيناوي

محمد سعيد الطريحي

الشاعر المؤرخ والخطيب الشيخ عبد الامير بن الشيخ حبيب الشيخ طاهر الحسيناوي. يرجع نسبه الى عشيرة آل حسيني وهي عشيرة معروفة في العراق، تنحدر من قبيلة بجيلة الشهيرة. ولد عام (1343/1924) في النجف الاشرف وتوفي عام (1418/1997)، ونشأ في عائلة علمية دينية.

هاجر جده الشيخ طاهر الحسيناوي من مدينة سوق الشيوخ الى النجف الاشرف عام 1255 هـ الموافق 1834 م لطلب العلم في الحوزة العلمية وسكن محلة العمارة وتبعه بعد ذلك والد (المُتَرْجَم له) الشيخ حبيب (1262 – 1344 هـ) وهو عالم فاضل جليل القدر كان وكيلاً للمرجع الديني محمد طه نجف (1241 هـ – 1323 هـ) بمدينة العمارة.

بدأ الشيخ عبد الامير حياته طالبًا في الحوزة العلمية في النجف الاشرف شأنه شأن ابيه وجده وأعمامه وواظب على حضور دروس أساتذة الحوزة العلمية الذين عاصرهم، وعُرف عنه بين أقرانه بسرعة الحافظة وشدة اهتمامه بعمله وارتقى المنبر الحسيني واعظًا ومرشدا وموجِّها، وعرف بفضله وأدبه وتقواه، ثم أكمل دراسته في الدورة الدينية لتخريج المعلمين في النجف الأشرف والتي انخرط فيها عدد كبير من رجال الدين يومذاك وتخرج بعدها معلماً.

كان شاعراً وأديباً حصيفاً ملتزماً بشعره، على استقامة في المبدأ والعقيدة، والفكر الواعي والمعرفة الدقيقة بالتاريخ الصحيح والتحليل السليم مع رجحان في العقل وإنسانية انسيابية جُبلت عليها فطرته وأخلاقه الأصيلة، وحين كان الشعر يعاني من الإهمال وتستغله السلطة الجائرة لمديح الظالمين والتزلّف لهم، كرّس الشيخ الحسيناوي، منبره وأدبه على المواضيع الدينية والاجتماعية التوجيهية فحسب وكخطيب مفوّه استطاع من خلال خطبه إظهار القضية الحسينية بما يخدم أهداف واقعة كربلاء مع نظم عشرات القصائد التي كرَّسها لإحياء ذكريات أئمة آل البيت (عليهم السلام).

وتميز بنظم التواريخ الشعرية المعروف بـ(حساب الجُمَّل) وهي طريقة في نظم تواريخ الحوادث والمواليد والوفيات وغيرها، وهذه الطريقة قلّما أجادها الشعراء، لما تتطلبه من بديهة حاضرة وإجادة للحساب الدقيق.

ديوانه المخطوط

تضمن ديوانه المخطوط مجمل ما نظمه عبر سني حياته، اخترنا مجموعة من نظمه ونشرناه في موسوعتنا (الموسم) المجلد 158 لسنة 2021 ص 823-828. ومن بين ما تضمنه قصائده التي نظمها في مدح النبي وآله الأطهار، أما القصائد والمقاطيع الأُخرى فقد أنشدها في عدة مناسبات دينية أو وطنية أو اجتماعية، ومعها عشرات التواريخ الشعرية، وفي الديوان قصائد من فن التشطير والتخميس لما كان يستحسنه من قصائد الشعراء الذين سبقوه، ومما تضمنه الديوان قصيدة طويلة

على غرار قصيدة المرحوم الشيخ حسن الدمستاني المتوفى سنة (1281هـ) أسماها (ملحمة الطف) نظمها سنة (1398 هـ)، جاء في أولها:

بأبي افدي شهيدا مات بالطف ظما
كيف لا تبكيه عيني بدل الدمع دما

كيف لا عينيَ تبكي لمن الهادي بكاه
وله قال حسين هو مني ورثاه

وبإبراهيم سيد الخلق فداه
قد اتاه الوحي بالتخيير من رب السما

وفاته

انتقل الى رحمة الله تعالى بتاريخ 18 محرم الحرام سنة 1418هـ/ 1997م، وخلَّف ذرية طيبة وهم: الشهيد المجاهد الضابط عبد الحسين الذي أعدمه صدام حسين عام 2001 بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم مع مجموعة من رفاقه، واللواء المتقاعد الاستاذ عبد الكريم الحسيناوي، والد (الدكتور حيدر)، والمهندس طاهر، والمهندس عماد، والاستاذ جلال.. نماذج من تواريخه الشعرية، تاريخ وفاة الشيخ سلمان الخاقاني:

إن تكن غيبت في الأجداث عنَّا
أنت حيٌ بيننا روحًاً ومعنى

كم تمنينا بأن تبقى ولكن
لا ينال المرء دوما ما تمنى

قد حباك الله علماً فافتخرنا
وشكرناه تعالى بِك منََّّا

ورجوناك مناراً ففُجعنا
وهتفنا ويح دهر بك ضنَََّّّا

فزتَ في الدنيا وفي الأخرى فأرخ
(بلِّغ الهادي بأن سلمان منََّّا)

وكتب مشطراً قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي والمكتوبة في أعلى جدران مكتبة السيد الخوئي:

(دار العلوم لفقه آل محمد)
شيدت على التقوى بأمر السيد

وبجنب حيدرة وصي المصطفى
(رُفعت قواعدها بأفضل مشهد)

(طلب العلوم عبادة يعلو بها)
من طالب للعلم او متزود

هذا منار للعلوم مرجع
(ولشيخنا الطوسي اكرم مسجد)

وينال من باريه في طلب الجزا
(درجات فضل في السماء السؤدد)

(وزكاته تعليمه متهجدا)
وتقربا للسائل المتردد

لله درك مُنعم من مبدع
ابدعت في مدح لعلم محمد

وأبنت فضل الدارسين وفضله
لا سيما في معهد للسيد

وختام تشطيري أُأرخه (به
ذا معهد للعلم اكرم معهد) 1407 هـ

وكتب مؤرخاً عام استشهاد صديقه الخطيب الشهير السيد جواد شبر فقال:

نعى لنا الناعي جوادا وقد
نعى لنا الايمان والصمودا

قال قضى نجل علي التقى
وراح للخلد فتى سعيدا

اذ ذاك للسبط غدا قاتلا
فان ذا قد قتل الحفيدا

وحاقدا يسألني شامتا
لا در در شامتا حقودا

قال كبا الجواد أرخت (بل
ان الجواد قد مضى شهيدا) 1402 هـ

تاريخ عام تجديد بناء مقام مرقد
(صافي صفا) سنة 1404هـ

هذا مقام شامخ لمؤمن
ثوى به قرب وصي المصطفى

في تربةٍ أوصى بنيه ان قضى
نحباً بها فليقبروه سلفا

لأنه يدفن فيها شافعٌ
يوم الجزا للمذنبين و كفى

ذاك علي الطهر من بقبره
أرض الحمى شرَّفها والنجفا

طوبى لمن زار ضريحه ومن
أدى به صلاته و اعتكفا

وقد رعته أسرة مشكورةُ
حازت به فخراً و نالت شرفا

قد خدمت اسلافها مرقده
ومذ قضت أوصت بذاك الخلفا

فكم اشادت ركنه بمالها
و كم بنت من أُسّه ما تلفا

واليوم اما جددته أرخوا
(شيدتم يا آل شنون الصفا)

قد يعجبك ايضا