هورين حسن
في خطوة غير معتادة من القادة العسكريين، أحدث قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجنرال مظلوم عبدي، مكاشفة سياسية حقيقية خلال مقابلته الأخيرة عبر شاشة “رووداو” بتاريخ 22 آب 2026.
لم يلجأ عبدي للغة الدبلوماسية المعتادة، بل وضع إصبعه على الجرح عندما قال علانية وبشجاعة مباغتة: “أكبر خطأ ارتكبته كان قلة جهودي لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس مع الدولة السورية، وللشعب الحق الكامل في انتقادي على هذا التقصير”.
هذا الاعتراف الصادم لم يكن مجرد إقرار بتقصير شخصي، بل كان مناورة سياسية ذكية ومدروسة؛ حيث اختار الجنرال أن يتحمل الملامة والمسؤولية بمفرده، ليمتص الغضب ويحمي الكيان التنظيمي والمؤسساتي في شمال وشرق سوريا من تصدع داخلي خطير كادت أن تحدثه الخلافات المكتومة بين أجنحة القرار.
أجنحة القرار: حين تكبّل السياسة خطى الجنرال
السبب الأساسي وراء هذا التماطل طويل الأمد يعود إلى وجود نظرتين متصادمتين داخل مراكز القرار في المنطقة. النظرة الأولى: هي الرؤية العسكرية البراغماتية التي يمثلها الجنرال عبدي، والتي كانت ترى في الاتفاق مع دمشق طوق نجاة ضروري لحماية المنطقة من التهديدات الخارجية وتثبيت استقرارها في ظل التحولات الكبرى.
أما النظرة الثانية: فكانت تمثلها الأجنحة المدنية والإدارية داخل مؤسسات المنطقة، والتي فضلت التريث والتباطؤ الشديد في التنفيذ رغبةً منها في حسم كل التفاصيل الإدارية والخدمية قبل تقديم أي تنازل عسكري. هذا التباين خلق نوعاً من الممانعة الداخلية غير المباشرة، حيث اشترطت تلك الأجهزة تسوية ملفات المناهج والوظائف والخدمات أولاً، مما كبّل حركة القيادة العسكرية وجعلها تستهلك وقتاً طويلاً في محاولة إقناع محيطها الإداري المعقد بالخطوات الميدانية.
فخ المثالية: المقامرة بالوقت فوق رمال متحركة
عامل آخر أسهم في تأخير الاتفاق وهو السقف السياسي المرتفع جداً الذي تمسكت به النخب السياسية في المنطقة؛ حيث كان الرهان قائماً على عدم إتمام الدمج العسكري أو تسليم الموارد الحيوية إلا بعد الحصول على اعتراف دستوري مسبق وبشكل رسمي باللامركزية السياسية وبقاء هيكلية الإدارة الذاتية كما هي.
لكن الأحداث المتسارعة(الإعصار السياسي والعسكري الذي غير خريطة السيطرة في سوريا خلال أسابيع قليلة) أثبتت أن هذا الرهان كان مبنياً على تقدير غير دقيق للوقت والتوازنات الإقليمية الشديدة التقلب.
وجاءت تصريحات عبدي لتصوب هذا المسار، حيث قال موضحاً الإستراتيجية الجديدة: “مواصلة المطالبة بالحقوق الكردية وبقاء الإدارة الذاتية يمكن أن تستمر وتناقش لاحقاً، لكن الأولوية الآن لتثبيت الاتفاق وتفادي الحرب”. هذا التراجع التكتيكي يوضح أن الإصرار السابق على شروط دستورية معقدة قبل البدء بالتنفيذ كان بمثابة العائق الأكبر الذي عطّل المسار المشترك وجعل قواته تبدو في مظهر المماطل أمام حكومة دمشق.
الممانعة الصامتة: هواجس النخب من ذوبان النفوذ
كان هناك قلق حقيقي ومخاوف وجودية لدى الكوادر الإدارية والسياسية المحلية من تبعات عودة مؤسسات الدولة السورية بشكل مفاجئ وسريع. فعلى مدى سنوات الحرب، نمت في المنطقة شبكات إدارية واقتصادية وقانونية مستقلة، وكان التفكير في تفكيك هذه المنظومات أو دمجها في بنية الدولة المركزية يثير هواجس كثيرة حول فقدان النفوذ والمكاسب المحلية المتراكمة.
وهذه الهواجس تُرجمت على الأرض في صورة عراقيل إدارية وبيروقراطية أخّرت تطبيق التزامات الاتفاق؛ ولأن الجنرال عبدي يقف على رأس الهرم، فقد آثر اليوم تحمل المسؤولية عن هذا التباطؤ واصفاً إياه بـ “أكبر خطأ شخصي”، رغبةً منه في حماية وحدة الصف الداخلي وتغطية تلك الممانعة المؤسساتية العميقة التي فرضت نفسها على مفاصل القرار ومنع تفجر الصراع بين العسكر والسياسيين علناً.
تجريد الكيان: دفع الآبار والسيادة ضريبةً للمماطلة
هذا التماطل والعناد التنظيمي لم يمر دون ثمن؛ فالمنطقة تجد نفسها اليوم تدفع ضريبة التباطؤ السابق من خلال القبول بتنازلات ميدانية واقتصادية قاسية فرضتها لغة الواقع المرير.
فتسليم المواقع النفطية الحيوية مثل حقول رميلان والسويدية رسمياً للدولة السورية، إلى جانب الانسحابات العسكرية الواسعة من مناطق استراتيجية مثل حي الشيخ مقصود وغيرها، يثبت أن قيادة قسد أدركت أخيراً خطورة اللعب على عامل الوقت، وقررت استبدال لغة الشروط الصعبة بمنطق التفاهمات الواقعية لحفظ أمن المنطقة.
نحو واقعية سياسية صارمة
في النهاية، لم يكن إصرار الجنرال، مظلوم عبدي على تبني خطأ التأخير بمفرده مجرد اعتراف عابر، بل كان حجر الأساس لمرحلة جديدة .
لقد فضّل الجنرال أن يتلقى الصدمة في وجهه بدلاً من أن يترك الكيان يتصدع من الداخل بفعل الصراع بين العسكر والسياسيين.
هذه المقابلة التلفزيونية طوت نهائياً صفحة الرهانات والمطالب المثالية، ليدشن مرحلة الواقعية السياسية الصارمة.
إنها الرسالة الأخيرة والواضحة لكل الكوادر والقوى في الكواليس، قطار التسوية والدمج مع دمشق قد انطلق فعلياً، ولم يعد هناك متسع للمناورة إذا أراد الكيان البقاء!