صادق سيريني
ليس المولد استذكارا لماض مضى، بل استحضارا لمعنى محمد فيحاضر الإنسان. فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى لميلاد رجل غيّرمجرى التاريخ، بل مناسبة لاستعادة الرسالة التي جاء بها،واستحضار القيم التي حملها، وإعادة اكتشاف الإنسان الذي أرادالوحي أن يبنيه على هدي محمد عليه الصلاة والسلام.
كلما اقتربت ذكرى مولد رسول الله محمد عليه السلام، عاد إلىالواجهة سؤال يتردد في بعض الأذهان: ماذا يعني أن نحتفل بمولده؟
ولعل السؤال الأعمق ليس: هل نحتفل؟ بل: ماذا ينبغي أن يحدث فيناحين نتذكر أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد ولد؟
فثمّة فرق شاسع بين أن نتعامل مع المولد بوصفه تاريخا في التقويم،وبين أن نتعامل معه بوصفه حدثا في تاريخ الإنسانية؛ وبين أن نراهمناسبة تنتهي بانتهاء يومها، وأن نراه فرصة لاستعادة رسالة ما زالتقادرة على صناعة الإنسان.
لقد جاء محمد “عليه السلام وأتم البركات” إلى عالم كانت القوة فيهمعيارا، والعصبية رابطة، والضعيف نهبا للقوي، والإنسان يقاسبنسبه وقبيلته وثروته ومكانته؛ فجاء الوحي ليعيد بناء الإنسان منالداخل، ثم يعيد بناء المجتمع من حوله.
ومن هنا، فإن الحديث عن مولده ليس حديثا عن ميلاد شخص عظيمفحسب، وإنما عن ميلاد رسالة أعادت ترتيب سلم القيم، وأعادتللإنسان كرامته، وللرحمة مكانتها، وللعدل معناه، وللأخلاق وظيفتها فيبناء الحياة.
المولد، من استذكار الذكرى إلى استعادة المعنى
قد يختلف المسلمون في الحكم الفقهي على بعض صور الاحتفالبالمولد، وهذا خلاف له تفصيله وأدلته، ولا ينبغي أن يتحول اختلافالعلماء فيه إلى خصومة بين المسلمين، فضلا عن أن يتحول إلى تبديعمتبادل أو تشهير أو تنابز بالألقاب.
فالاختلاف في وسيلة الاحتفاء لا ينبغي أن يحجب الأصل الأعظمالذي يجتمع عليه المسلمون: محبة رسول الله، وتعظيمه، ومعرفة سيرته،والصلاة والسلام عليه، والاقتداء بهديه وأخلاقه.
ومن هنا يمكن أن تتحول ذكرى المولد إلى مناسبة تربوية لإحياء هذهالمعاني في النفوس، وتعريف الأجيال بسيرة نبيهم، وتجديد الصلة به،وتحويل المعرفة بسيرته من معلومات محفوظة إلى أخلاق حية وسلوكيومي.
فليس المقصود أن نجعل صورة واحدة من صور الاحتفال معياراللمحبة والإيمان، ولا أن نجعل اختلافا فقهيا في هذه المسألة سببالتفريق القلوب؛ وإنما المقصود أن نستثمر هذه المناسبة في كل مايوقظ المحبة، ويحيي السيرة، ويقوي الصلة بالرسول، ما دام ذلك فيحدود الشرع وآدابه.
فالاحتفاء الحقيقي بمحمد عليه الصلاة والسلام لا ينتهي بانتهاءالمجلس، ولا بإطفاء الأنوار، ولا بانقضاء الأناشيد والمدائح؛ وإنما يبدأحين يعود الإنسان إلى بيته وقد أصبح أرحم بوالديه، وأصدق فيمعاملته، وأعدل مع خصمه، وأرفق بالضعيف، وأبعد عن الظلم والكبر.
هناك فقط يتحول المولد من مناسبة إلى منهج، ومن ذكرى إلى أثر،ومن احتفال إلى حياة.
محمد والقرءان.. حين تتجسد الرسالة في إنسان
ومن أعمق ما يمكن تأمله في شخصية رسول الله أن القرءان الكريم لميقدمه مجرد ناقل للنص، بل قدمه نموذجا حيّا للرسالة وهي تمشيعلى الأرض.
قال الله سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا © وقرءانافرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) سورة الإسراء: 105-106.
وقال الله سبحانه: (… قد أنزل الله إليكم ذكرا © رسولا يتلواْ عليكمءايٰت الله مُبينٰت) الطلاق: 10-11.
وقال جل شأنه في وصفه: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4.
ولهذا فإن العلاقة بين القرءان والنبي ليست علاقة انفصال، بل علاقةوحي يتلى، ورسالة تبين، وهدي يتجسد في السلوك البشري. وقدسئلت أم المؤمنين عائشة “رضي الله عنها” عن خلق رسول الله، فقالت: “كان خُلقه القرءان“. وهي عبارة تختصر في كلمات قليلة مشروعاحضاريا كاملا: القرءان كتاب يقرأ، ومحمد عليه الصلاة والسلامنموذج يرى؛ والقرءان يهدي، ومحمد يجسد الهداية في الواقع.
ومن هنا، فإن حب القرءان لا يكتمل إذا بقيت أخلاقه بعيدة عنسلوكنا، كما أن كثرة الصلاة على النبي ينبغي أن تنعكس فيمعاملتنا للناس؛ فلا معنى لمحبة نرفع شعارها بألسنتنا ثم نهدمبأخلاقنا بعض ما جاء به رسول الله.
من أحب محمدا أحب آثاره
إن محبة النبي ليست شعورا معزولا عن كل ما حوله، وإنما هي محبةتتسع دائرتها كلما اتسعت معرفتنا به.
فمن أحب رسول الله تعلق قلبه بمكة، الأرض التي شهدت مولدهوبدايات رسالته؛ وأحب المدينة، دار هجرته ومثوى جسده الشريف؛وأحب القرءان، لأنه الوحي الذي جاء به إلى الناس؛ وأحب السنة، لأنهاسجل هديه وطريقته في الحياة؛ وأحب العربية، لأنها اللسان الذيحمل رسالته؛ وأحب أصحابه الذين حملوا عنه الدين ونصروه؛ وأحبأهل بيته الذين لهم في قلبه مكانة لا تنفصل عن محبته. وهكذا تتسعالمحبة من شخص الرسول إلى كل ما اتصل برسالته، وحمل أثره،وحفظ سنته، وشهد مسيرته.
فالمحبة الصادقة لا تقف عند الاسم، وإنما تمتد إلى الآثار؛ ولا تكتفيبالتعلق بالشخص، بل تنفتح على المنهج والقيم والذاكرة والرسالة. ولهذا فإن محبة محمد عليه الصلاة والسلام ليست مجرد عاطفة؛ إنهارابطة تربط المسلم بالوحي، والسيرة، والمكان، واللغة، والتاريخ، والقيمالتي جاء بها هذا النبي الكريم.
لماذا نفرح بميلاد الرحمة؟
قال جل شأنه وتقدّست أسماؤه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107.
تأملوا التعبير القرءاني: رحمة للعالمين.
لم تكن رسالته رحمة لفئة دون فئة، ولا لقوم دون قوم، وإنما جاءتالرحمة في وصف الرسالة واسعة الأفق، ممتدة إلى العالمين.
وهنا تكمن إحدى أعظم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها المولد فيزماننا: نحن نكثر من الحديث عن محمد عليه الصلاة والسلام، ولكنكم بقي من محمد في أخلاقنا؟ إذا كان رحمة، فهل نحن رحماء؟ إذاكان عفوا، فهل نحن نعفو؟
إذا كان عدلا، فهل نعدل حتى مع من نختلف معهم؟ إذا كان قد نهىعن الظلم، فهل نرفض الظلم حين يقع على خصومنا كما نرفضه حينيقع علينا؟ إذا كان قد صان كرامة الإنسان، فهل نحفظ كرامة الإنسانحين يخالفنا في الرأي أو الدين أو الموقف؟ هذه هي الأسئلة التيينبغي أن يوقظها المولد فينا.
المولد الحقيقي.. أن يستيقظ محمد في أخلاقنا
لعل أجمل ما يمكن أن نفعله في ذكرى المولد أن نسأل أنفسنا: ماالذي ينبغي أن يولد فينا مع هذه الذكرى؟ ينبغي أن تولد الرحمة،والصدق، والعفو، والأمانة، والتواضع، وصيانة الكرامة، والشعوربالمسؤولية تجاه الضعفاء والمحتاجين.
ينبغي أن يعود إلى الأسرة شيء من دفء البيت النبوي، وإلى المجتمعشيء من روح التكافل والتراحم، وإلى علاقاتنا شيء من أدب النبوة،وإلى خلافاتنا شيء من أخلاقها. فإذا احتفلنا بمولده، ثم خرجنا منالاحتفال أكثر قسوة، وأكثر تعصبا، وأكثر ظلما، وأكثر احتقارا للآخر،فما الذي احتفلنا به إذن؟ المولد الذي لا يغير أخلاقنا يبقى ذكرى؛ أماالمولد الذي يوقظ فينا إنسانيتنا فهو حياة.
بين الفرح والاتّباع
ومن حق المؤمن أن يفرح بفضل الله ورحمته. قال الله سبحانه: (قلبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) سورةيونس: 58.
والفرح بنعمة الهداية معنى راسخ في وجدان المؤمن؛ فإذا كان القرءانهداية، وكان الرسول المبلغ عن الله سبحانه، والداعي إلى رحمته،والمجسد لهدي الوحي في حياته، فإن محبته والفرح بذكره من أسمىالمعاني التي تحيا بها القلوب. لكن الفرح الناضج ليس صخبا بلامضمون، ولا منافسة في المظاهر؛ وإنما هو فرح يترجم نفسه إلىاتباع. فأصدق من قال: “نحب رسول الله” هو من حاول أن يشبهه فيخلقه. وأصدق من أكثر الصلاة عليه هو من أكثر الاقتداء به. وأصدقمن احتفى بمولده هو من أحيا سنته في بيته، وفي عمله، وفي علاقاته،وفي معاملاته، وفي رحمته بالناس.
لا تجعلوا الحب خصومة
ومن المؤسف أن تتحول ذكرى رسول الله أحيانا إلى ساحة للخصومةبين المسلمين. هذا يحتفل، وذاك لا يحتفل؛ وهذا يثبت المحبة بهذهالصورة، وذاك يثبتها بصورة أخرى. لكن المحبة أوسع من صورةواحدة، والسيرة أعظم من مناسبة واحدة، والإسلام أرحب من أنيتحول اختلاف فقهي في وسيلة أو عادة إلى معركة على القلوب.
ومن رأى مشروعية الاحتفاء بالمولد فليحتف به في إطار الشرعوالأدب، ومن لم يره مشروعا فليتركه من غير أن يجعل تركه سببا للطعنفي محبة الآخرين أو عقيدتهم.
فليس كل اختلاف خصومة، وليس كل مخالف عدوا، وليس كل مااختلف فيه المسلمون يستحق أن تتحول بسببه القلوب إلى ساحاتاقتتال. فالذي يجمعنا أعظم بكثير مما يفرقنا: النبي واحد، والقرءانواحد، والقبلة واحدة، وأصل المحبة واحد، والصلاة والسلام على رسولالله قاسم مشترك بين قلوب المسلمين. فلماذا لا نجعل المولد جسرا بينالقلوب بدلا من أن نجعله جدارا بينها؟
وفي زمن الإساءة إلى رسول الله
نحن نعيش زمنا تتعرض فيه الرموز “الوطنية” والدينية، ومنها رسولالله، للإساءة والتشويه والسخرية من جهات مختلفة، ومن الخطأ أنيكون ردنا على ذلك مجرد غضب عابر.
إن أقوى دفاع عن نبي الله محمد “عليه الصلاة والسلام” ليس أننرفع أصواتنا باسمه فحسب، وإنما أن نُري العالم شيئا من أخلاقه. أن يروا المسلم أمينا في تجارته، رحيما في بيته، عادلا مع خصمه،صادقا في كلمته، متواضعا في قوته، عفيفا في قدرته، رحيمابالضعيف، وفيّا بالعهد.
حينها لا يكون محمد مجرد اسم ندافع عنه بالكلمات، بل يصبح قيمةإنسانية حية يراها الناس في سلوكنا. ولعل هذا أبلغ من ألف خطاب،وأقوى من ألف جدال.
محمد، العبد والرسول والقدوة
ومن أعظم ما في الإسلام أنه رفع مقام نبيه إلى أسمى مراتب المحبةوالتوقير، مع إبقاء الحد الفاصل بين النبوة والعبودية واضحا.
قال الله جلّ شأنه: (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إلي) الكهف: 110.
فهو بشر في خلقته، ولكنه ليس بشرا عاديا في رسالته؛ وهو عبد لله،ولكنه خير عباد الله؛ وهو رسول الله وخاتم النبيين، ورحمة للعالمين،وقدوة للمؤمنين.
وهنا تتجلى عظمة النبي الخاتم في أبهى صورها: أن يبلغ الإنسانذروة الكمال البشري دون أن يخرج عن مقام العبودية لله.
وهذه من أعظم الرسائل التي يحتاجها الإنسان المعاصر: أن الكمالالحقيقي لا يكون بالتجبر والاستعلاء، وإنما بالعبودية لله، والرحمةبالخلق، وتهذيب النفس، وإقامة العدل.
المولد الذي نحتاجه اليوم
ربما لا نحتاج في عصرنا إلى مزيد من الجدل حول المولد بقدرحاجتنا إلى مولد أخلاقي جديد. نحتاج إلى أن يولد في الأمة صدقيشبه صدقه، وعدل يشبه عدله، ورحمة تشبه رحمته، وتواضع يشبهتواضعه، وأخوة تشبه أخوته، ووعي يشبه وعيه. فالأمة التي تحتفلبمولد نبيها ثم ينهش بعضها بعضا، تحتاج إلى أن تعيد قراءة سيرته.والأسرة التي تصلي على النبي ثم تظلم أبناءها، تحتاج إلى أن تعيدقراءة سيرته. والإنسان الذي يرفع صوته دفاعا عن رسول الله ثم يظلمعاملا، أو يهين فقيرا، أو يقطع رحما، أو يأكل حقا، يحتاج إلى أن يعيدقراءة سيرته.
إن أعظم احتفال بمحمد أن يصبح محمد حاضرا في أخلاقنا.
حين لا تكون الذكرى مجرد ذكرى
بعد أيام قليلة، ستتزين المساجد والبيوت، وسترتفع أصوات الصلاةوالسلام على رسول الله، وستقرأ سيرته، وستتردد المدائح والأناشيد،وستتجدد في القلوب ذكرى مولده الشريف. فدعونا لا نسأل فقط: كيفنحتفل بمولد رسول الله محمد؟ بل لنسأل السؤال الأهم: ماذا سيولدفينا من محمد؟ هل ستولد رحمة؟ هل سيولد عفو؟ هل سيولد صدق؟هل سيولد حب؟ هل سيولد إنسان جديد؟ فمحمد عليه الصلاة والسلاملم يكن مجرد رجل ولد في التاريخ ثم مضى.
لقد ولد المعنى.
ولد معه أفق جديد للإنسان، وأعيد ترتيب العلاقة بين القوة والرحمة،وبين العبادة والأخلاق، وبين الإيمان والسلوك، وبين حق الله وحقوقالعباد. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نقوله في ذكرى مولده:
اللهم لا تجعل مولد نبيك ذكرى تمر على أسماعنا، بل اجعلها حياة تمرفي أخلاقنا؛ ولا تجعل محبتنا له كلمات على ألسنتنا، بل نورا فيقلوبنا، وهديا في أعمالنا، ورحمة في معاملتنا.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي أرسلته رحمة للعالمين،وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكل عام وقلوبنا أقرب إلى هديه، وأخلاقنا أشبه بأخلاقه، وصلاتنا عليهأصدق من أن تكون مجرد كلمات.
فالمولد ليس أن نتذكر متى ولد محمد عليه الصلاة والسلام فحسب؛ بلأن نستيقظ نحن على هديه، وأن نسأل أنفسنا:
هل أصبح معنى محمد حاضرا في أخلاقنا؟