عطا شمیراني
ليست كل الشخصيات السياسية قابلة للاختصار في منصب أو لقب؛ فهناك رجال تصبح سيرتهم جزءاً من ذاكرة مرحلة كاملة، ويصبح الحديث عنهم نوعاً من الحديث عن التاريخ نفسه. وفاضل ميراني واحد من هذه الشخصيات التي يصعب فصل مسيرتها السياسية عن التحولات الكبرى التي عاشتها الحركة الكوردستانية خلال أكثر من نصف قرن.
منذ انضمامه إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1966، دخل ميراني إلى عالم السياسة في زمن لم تكن فيه القضية الكوردستانية تملك رفاهية العمل السياسي التقليدي. كان ذلك زمن الثورة والمواجهة والمطاردة والمنفى، حين كانت السياسة تُدفع أثمانها من أعمار الرجال، وحين كان الانتماء إلى الحركة الكوردستانية يعني أن يحمل الإنسان قضية أكبر من حياته الشخصية.
ومن هنا بدأت رحلة فاضل ميراني؛ رحلة طويلة لم تكن مستقيمة ولا سهلة. فقد عاش مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الكوردستانية، وشهد الانكسارات والانتصارات، وعاش مرحلة ما بعد عام 1975، وشارك في مسار ثورة كولان، ثم كان جزءاً من التحولات التي أعقبت انتفاضة عام 1991، عندما انتقلت كوردستان تدريجياً من زمن الثورة إلى زمن الإدارة والمؤسسات.
وهذه النقلة ربما تكون أهم ما يميز تجربة ميراني. فهو لم يكن سياسياً ظهر في زمن المؤسسات، بل رجل سياسة انتقل بنفسه من زمن الجبال إلى زمن البرلمان، ومن لغة الثورة إلى لغة الدستور، ومن مواجهة السلطة إلى محاولة بناء سلطة ومؤسسات تحمي ما تحقق من مكاسب.
ولهذا فإن قراءة فاضل ميراني لا ينبغي أن تكون مجرد قراءة لسيرة مسؤول حزبي، وإنما قراءة لمسار سياسي كامل. فقد تدرج في مواقع قيادية عديدة داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وتولى مسؤوليات حكومية، من بينها وزارة الداخلية ونائب رئيس الوزراء وكالة، ثم أصبح سكرتيراً للمكتب السياسي للحزب، وظل حاضراً في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الكوردستاني تعقيداً.
لكن ما يلفت في شخصية ميراني ليس طول المسيرة وحده، بل الطريقة التي تعامل بها مع السياسة. فهو من السياسيين الذين أدركوا أن القضية لا يمكن أن تعيش بالشعارات وحدها، وأن الانتقال من الثورة إلى الدولة يفرض على السياسي أدوات جديدة. فالدولة لا تُبنى بالخطابة وحدها، وإنما بالقانون والمؤسسات والتفاوض وإدارة المصالح.
ولعل دراسته للقانون في جامعة صلاح الدين أضافت إلى تجربته السياسية بعداً آخر؛ فقد أصبح قادراً على النظر إلى القضية الكوردستانية من زاويتين متلازمتين: زاوية التاريخ والنضال، وزاوية القانون والدستور. وهذه الثنائية مهمة في فهم شخصيته، لأنه ينتمي إلى جيل يؤمن بأن الحقوق تُنتزع بالنضال، لكنه يدرك أيضاً أن الحفاظ عليها يحتاج إلى مؤسسات وقواعد قانونية.
وفي السياسة، لا يمكن أن يكون الرجل متفقاً معه الجميع. فميراني شخصية حزبية واضحة الانتماء والموقف، ولذلك من الطبيعي أن يختلف معه خصومه السياسيون، وربما يختلف معه بعض أبناء البيت الكوردي نفسه. لكن الاختلاف مع السياسي لا يعني إلغاء تجربته، كما أن الاتفاق معه لا يعني تحويله إلى شخصية فوق النقد.
القيمة الحقيقية لأي سياسي تظهر عندما نضعه في سياق زمنه.
وفاضل ميراني ينتمي إلى جيل حمل ذاكرة ثقيلة: ذاكرة الثورة، والأنفال، وحلبجة، والتهجير، والمنفى، ثم الانتفاضة، فالبرلمان، فالحكومة، فالعلاقة المعقدة مع بغداد. وهذا الجيل رأى بأم عينيه كيف يمكن لشعب أن ينتقل من الهامش إلى قلب المعادلة السياسية.
ولذلك فإن ميراني ليس مجرد رجل من الماضي؛ إنه شاهد على التحول من قضية كانت تبحث عن الاعتراف إلى تجربة سياسية أصبحت رقماً صعباً في العراق والمنطقة.
وعندما نتحدث عن العلاقة بين أربيل وبغداد، فإن تجربة ميراني تمنحه أيضاً موقعاً مهماً في فهم هذه العلاقة. فقد عاصر مراحل مختلفة من الصراع والتفاوض، وعرف أن العلاقة بين الطرفين لا يمكن اختزالها في الشعارات. هناك الدستور، والسلطات، والموارد، والميزانية، والأمن، والمناطق المتنازع عليها، والمصالح السياسية؛ وكلها ملفات تحتاج إلى عقل سياسي قادر على الموازنة بين المبدأ والواقعية.
وربما هنا تظهر إحدى أهم سمات المدرسة السياسية التي ينتمي إليها ميراني: الإيمان بأن الحقوق لا تُحمى بالعاطفة وحدها، وأن السياسة في النهاية هي فن تحويل القوة التاريخية إلى مكاسب سياسية قابلة للحياة.
لكن أكثر ما يستحق التأمل في تجربة فاضل ميراني هو مسألة الزمن.
فالسياسي الذي أمضى عقوداً في العمل العام يصبح شاهداً على تغير الأجيال. الجيل الذي عاش الثورة ينظر إلى كوردستان بعين مختلفة عن الجيل الذي ولد بعد عام 1991. الأول يرى الدولة باعتبارها ثمرة دم وتضحيات، والثاني يراها واقعاً يومياً يريد منه فرص العمل والتعليم والخدمات والكرامة.
وهنا تقع مسؤولية الجيل القديم: أن ينقل الذاكرة إلى الجيل الجديد من دون أن يحوّلها إلى سجن، وأن يحافظ على القضية من دون أن يمنعها من التطور.
وهذه ليست مهمة فاضل ميراني وحده، وإنما مهمة جيل كامل.
إن تاريخ كوردستان الحديث لم تصنعه شخصية واحدة، ولا حزب واحد، ولا مرحلة واحدة. صنعته أجيال متعاقبة، لكل جيل لغته وأدواته وتضحياته. وفاضل ميراني يمثل واحداً من أكثر هذه الأجيال وضوحاً؛ جيل بدأ حياته في زمن الثورة، ثم وجد نفسه لاحقاً أمام سؤال الدولة.
من الجبل إلى المؤسسة، ومن الثورة إلى القانون، ومن ذاكرة المنفى إلى واقع الحكم، قطع فاضل ميراني مسافة طويلة تختصر في داخلها شيئاً من رحلة كوردستان نفسها.
ولهذا فإن كتابة سيرته لا تعني تمجيد رجل أو محاكمة رجل، بل محاولة لفهم زمن.
وزمن فاضل ميراني هو زمن التحولات الكبرى؛ زمن سقطت فيه خرائط وظهرت أخرى، وانتهت فيه مراحل لتبدأ مراحل جديدة، وتحولت فيه القضية الكوردستانية من حلم يطارده أصحابها إلى حقيقة سياسية لا يستطيع العراق والمنطقة تجاهلها.
وربما يكون السؤال الذي تتركه تجربة ميراني للأجيال القادمة أكبر من شخصه نفسه:
ماذا نفعل بالإرث الذي تركه لنا الذين سبقونا؟
فالتاريخ لا يطلب من الأجيال الجديدة أن تكرر حياة آبائها، وإنما أن تفهم تضحياتهم ثم تبني شيئاً أفضل.
وهنا تكمن قيمة الذاكرة السياسية الحقيقية؛ أن تكون جسراً إلى المستقبل، لا قبراً للماضي.
وفاضل ميراني، بما يحمله من تاريخ وتجربة وحضور، يبقى واحداً من الرجال الذين عبروا ذلك الجسر الطويل؛ من زمن الثورة إلى زمن الدولة، ومن زمن البقاء إلى زمن البحث عن المستقبل.